فارس خشان

لبنان بين “قرف” لودريان و”هذيان” الأسد و”رغبة” نصر الله – فارس خشّان – الحرة

هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها نشر أخبار عن لقاءات “سرية” بين “مسؤولين أمنيين” سعوديين وسوريين. قبل سنوات، كان “الحدث” خبرا معلوماتيا عن زيارة قام بها إلى الرياض نائب الرئيس السوري للشؤون الأمنية اللواء علي مملوك. يوم الإثنين الأخير، كان “الحدث” أن رئيس المخابرات السعودية الفريق خالد الحميدان، هو من قام بزيارة مملوك، في دمشق.

وكما في المرة الأولى، كذلك هذه المرة تم تحميل هذه المعلومات كما هائلا من التحليلات التي بقيت ضمن المعقول في خصوص استشراف انعكاساتها على عدد من الملفات، ولكنها، بمجرد أن لامست الملف اللبناني، حلقت في فضاءات الذهول حتى لا نقول “الهذيان”، إذ سارع البعض الى اعتبار أن بشار الأسد يتهيأ لاستعادة ما فقده من نفوذ في “بلاد الأرز”.




تسند هذه “النبوءة” نفسها إلى عدد من “القواعد”، من بينها أن المملكة العربية السعودية التي أخرجت نفسها من دعم المعارضة السورية، قبل سنوات، ونأت بنفسها عن دعم “حلفائها” التقليديين في لبنان، تطمح إلى أن تقوي نفوذ الأسد حتى يضعف سيطرة إيران وأدواتها العسكرية على سوريا ولبنان، ويكون سدا “عربيا” في مواجهة التمدد التركي.

وتنطلق هذه “النبوءة” من وضعية لبنان الراهنة، إذ إنه تصدر، بسرعة البرق، قائمة “الدول الفاشلة”، وتاليا فهو بات بحاجة الى “وصاية خارجية”. وتغذي “النبوءة” نفسها من واقع دولي وإقليمي متغير، فالولايات المتحدة الأميركية لا تضع لبنان حتى في “ذيل” اهتماماتها، وإسرائيل التي تتطلع إلى توسيع علاقاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي، تبدي ارتياحها لروسيا في سوريا التي لا تكتفي بإتاحة المجال أمامها لضرب إيران ومنشآتها في سوريا، بل تسعى إلى عقد اتفاق سلام بينها وبين نظام الأسد الذي ساهمت، مرارا، في منع إسقاطه.

كل هذه الوقائع قد تكون صحيحة، ولكنها، بالمحصلة، لا تسمح باستشراف إعادة بشار الأسد “المنهك” و”المحتل” إلى لبنان، بل، يتم استعمالها، عن رغبة هنا وعن “هلع” هناك، تسويقا لتعزيز سيطرة “حزب الله” على البلاد، بحيث يتم تخيير اللبنانيين عموما ومعارضيه الذين باتت تتقدمهم بكركي خصوصا، بين حسن نصر الله وبشار الأسد.

وليس هناك من يصدق وجود فرق حقيقي بين نصر الله والأسد، فالاثنان “مرتهنان” لإرادة “الحرس الثوري الإيراني”، ولكن، في حمأة التغييرات الاستراتيجية في المنطقة التي أملاها وصول الديمقراطي جو بايدن إلى البيت الأبيض، ترسل الدول المعنية بهذه المتغيرات، رسائل “ود” إلى روسيا و”لفت انتباه” إلى الولايات المتحدة الأميركية، و”تحذير” إلى الاتحاد الأوروبي، على عتبة حلول الربع ساعة الأخيرة للبت بمصير الاتفاق النووي مع إيران.

وفيما تبذل روسيا كل ما في وسعها لتعويم نظام الأسد، فإن الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي يرفضان كل تعويم للنظام السوري، بأي شكل من الأشكال، قبل التزامه بإحداث تغيير جذري، وفقا لمندرجات القرار 2254 الصادر عن مجلس الأمن الدولي، وإحالة جرائم الحرب ولا سيما الكيميائية منها، على المحاكم المختصة.

ولكن من أين للبنانيين ألا يصدقوا كل ما يثير هلعهم، وهم يلمسون، يوما بعد يوم، الانهيار الكامل لوطنهم وتحلل دولتهم؟

وها هي فرنسا، آخر الدول التي كانت مهتمة بإنقاذ لبنان، تخصص زيارة وزير خارجيتها جان إيف لودريان لبيروت، من أجل نفض يدها من الطبقة السياسية، وتاليا من التصور الإنقاذي الذي سبق أن أخذته على عاتقها.

إن متابعة كواليس هذه الزيارة تبين أن لودريان لم يثر موضوع تشكيل الحكومة، بشكل جدي، لا مع رئيسي الجمهورية ومجلس النواب ميشال عون ونبيه بري اللذين زارهما، ولا مع الرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري الذي استقبله في مقر إقامته في قصر الصنوبر.

وقال لودريان للشخصيات التي التقاها، بصفتها ممثلة المجتمع المدني في لبنان، إنه التقى “الرؤساء الثلاثة”، بفعل الاضطرار البروتوكولي، وليس رغبة منه في ذلك.

لودريان الذي اختار عدم عقد أي اجتماع مع أي فئة سياسية ممثلة في البرلمان، أوصل لهم رسالة واضحة المضامين: جميعكم مسؤول عن شل المسار السياسي، وعن عدم السير بالإصلاحات المطلوبة، ونحن نعرفكم اسما اسما، ولم تعد أبواب فرنسا مفتوحة أمامكم، والآتي أعظم، سواء بما سوف نتخذه من إجراءات وطنية أو ما سوف نتفق عليه مع شركائنا الأوروبيين والدوليين.

والأهم من الإجراءات والعقوبات التي تحدث عنها لودريان، كان في تأكيده، قولا وسلوكا، أن بلاده لن تخرج من لبنان بل من منازل طبقتها السياسية، لتحصر اهتمامها في مساعدة المجتمع المدني لتساعده في مساعيه الرامية إلى “إيجاد بدائل”.

وفي إشارة لافتة، دعا القوى المنبثقة من “ثورة 17 أكتوبر” إلى توحيد جهودها تفعيلا لحضورها على الساحة اللبنانية، الأمر الذي يرفع من منسوب جاذبيتها في المنتديات الدولية، على اختلافها.

القول إن لبنان في خطر كبير، هو قول بات “كلاسيكيا”. قيل بكل لغات الأرض وعلى ألسنة الجميع. استعمله كثيرون لتحريض الطبقة السياسية على انتهاج درب التضحيات والتفاني، تحقيقا للإنقاذ، لكن أغلبية هذه الطبقة، أهملته لمصلحة صراعاتها وطموحاتها ومصالحها وصفقاتها وتبعياتها التي كانت هي السبب وراء وصول لبنان إلى الدرك الذي وصل إليه.

إن من يرمي وطنه، عن وعي، في جهنم، يفعل كل ما هو مذهل، ولهذا لا يعاب على أحد إن اعتبر أن هؤلاء الحكام هم جزء من مؤامرة تهدف إلى إعادة توكيل وصي قديم على لبنان، هو النظام السوري، أو تكريس وضعه في عهدة “الوصي البديل” وهو “حزب الله” بصفته نقطة التقاء بين مصالح إيران من جهة ومصالح النظام السوري من جهة أخرى.

من الواضح أن إعادة الاعتبار لمفهوم إنقاذ لبنان لم يعد بيد الطبقة السياسية الحاكمة، بل أضحى بيد المجتمع المدني عموما ومن يطلقون على أنفسهم لقب “ثوار” خصوصا.

إن المجتمع الدولي، بعد التغيير الحاصل في الموقف الفرنسي، يفتح ذراعيه للمجتمع المدني اللبناني، ولكن الأسئلة التي تقلق الجميع كثيرة: هل هذا المجتمع هو، في الممارسة، أفضل من الطبقة السياسية؟ وهل هو قادر على توحيد طاقاته؟ وهل يملك أدوات تنظيف نفسه من الاختراقات المحبطة لأي إنجاز؟ وهل يمكنه أن يعيد الثقة إلى الشعب ليعود إلى الشارع؟ هل هناك قوى مترددة يمكن أن تطل على الساحة وتقود المواجهة؟

الأجوبة عن هذه الأسئلة قادرة على رسم مستقبل لبنان، فإن كانت إيجابية فالضوء سيلوح في “آخر النفق”، وإن كانت سلبية، فبلاد الأرز تحكم على نفسها أن تذهب “فرق عملة” على طاولة الكبار.