الدولة، خيار المسيحيّين الوحيد، وإلّا فذاك الغيم أتى بهذا المطر – سمير قسطنطين – النهار

قد تسألني فوراً: “وهل للآخرين الحقّ بأن يكون خيارُهم غير الدولة”؟ طبعاً لا. لكنّي أردتُ أن أقول إنّ أيّ خيارٍ استراتيجي للمسيحيّين لا يكون عنوانه “الدولة فقط”، هو إنتحار.

#المسيحيّون، إختاروا “لبنان الكبير” وطناً نهائيّاً بحدوده وتكويناته الحاليّة. هل أخطأوا بذلك؟ لا أدري، لكن، إذا كانت صوابيّة الخيارات مرتبطة بالنتائج، فلا أدري إن لبّى هكذا خيار استراتيجي طموحات البطريرك الياس الحويّك. أنا أتحدّث عن كلّ المراحل السابقة إلى الآن، وبنوعٍ خاص عن تلك التي تَلَتْ نكبة فلسطين في العام 1948.




فبغضِّ النظر عما سبق، السؤال المحوري الآن هو: “هل يمكن للمسيحيّين أن يكون لهم خيارٌ غير خيار الدولة”؟ إذا سألتَ أيّ مسيحيّ هذا السؤال، سيُجيبُك على الفور: “طبعاً خياري هو خيار الدولة”. لكنّ مفهومي لعبارة “الدولة خيار المسيحي”، يصنع كلّ الفرق.

إذا كانت الدولة خيار المسيحيّين الوحيد، فَهُم لا يستطيعون أن يرضوا بالفساد لا من قريب ولا من بعيد. هُم لا يستطيعون أن يُشاركوا فيه، أو يسكتوا عنه مسايرةً، أو أن يتحالفوا مع جهةٍ ضالعةٍ في الفساد، لا في انتخاباتٍ نيابيّة ولا في انتخابات رئاسيّة.

إذا كانت الدولة خيار المسيحيّين الوحيد، فهذا يعني أنّ لا قوّة مسلّحةً يعترفون بها بشكلٍ دائم، ومن دون تحفّظ، وفي كلّ الظروف، سوى الجيش اللبناني وسائر القوى الأمنيّة.

إذا كانت الدولة خيار المسيحيّين الوحيد، فهذا يعني أنّه لا يكفي ألا أمدَّ يدي إلى المال العام، بل يعني أيضاً ألا أقبلَ قرشاً واحداً لحزبي من أيّةِ دولةٍ تدعم خياري السياسي.

إذا كانت الدولة خيار المسيحيّين الوحيد، فهذا يعني ألا أتحالف في السياسة مع أحزابٍ أو قوى لها باعٌ طويل في تقويض أجهزة الدولة.

إذا كانت الدولة خيار المسيحيّين الوحيد، فهذا يعني ألا أقبل بأيِّ شكلٍ من الأشكال بتوظيفاتٍ لمسيحيّين في القطاع العام لا يحتاج القطاع إليهم، وكلّ ذلك بحجّة أنّ الآخرين استفادوا من الدولة كثيراً والآن “جاء دوري”.

إذا كانت الدولة خيار المسيحيّين الوحيد، فهذا يعني ألا يكون خيار العودة إلى التسلُّح خياراً مطروحاً. يجب أن يكون هذا الأمر بالنسبة إليهم كما نقول بالإنكليزيّة: Not Even a Consideration.

المسيحيّون بحاجة أن يحدّدوا مصيرهم أكثر من أيّ وقتٍ مضى. يجب أن يبتّوا بخياراتهم. الوضع ليس مزحة. خطوةٌ جريئةٌ ستُسَجّل لهم إن هُم رضوا ألا تكون لهم حصصٌ في المحاصصات. عندئذٍ يستطيعون أن يمنعوها. عندما يختار المسيحي الدولة لا يستطيع المسلم أن يقول: “أنا ما بدّي الدولة، بدّي مصلحة السنّي والشيعي”. كلُّ الناس في الداخل والخارج سيقفون مع هكذا خيار. الإنتليجنسيا في الطوائف الأخرى ستكون معك، وكذلك كثيرون من الناس العاديّين. أنتَ تستطيع ساعتئذٍ أن تغيّر المعادلات كلّها شرط أن تفعل ذلك بِنَفَسٍ وطني ليس فيه انتقائيّة ولا كيديّة ولا فوقيّة على طريقة الـ Puritans في أوروبا في أواسط القرن السادس عشر حين تعاطوا مع الآخرين على قاعدة “أنا أطهر منك”.

أمام المسيحيّين وقتٌ قصير لتحديد الخيارات. من دون دولة، لن تكون جمهوريّة. إن هُم لم يُحسِنوا صنع الشكل والمضمون لجهةِ تبنّي الدولة أو غيرها، فلا غرابة أن ينطبق علينا المثل القائل: “فذاك الغيم أتى بهذا المطر”.