يوسف بزي - المدن

العيش مع الأسد وباسيل والأمين العام – يوسف بزي – المدن

قبل 13 عاماً بالضبط، في السابع من أيار، راحت زمر مسلحة تلصق صور بشّار الأسد على جدران شوارع بيروت. وكان المارة حينها ينظرون إلى الأسد، بضحكته الخفيفة السادرة، ويشعرون كأنه يهزأ بهم منتشياً بانتصاره عليهم، منتقماً من مهانة الانسحاب في 26 نيسان 2005.

ثم أطل الأمين العام بعمامته السوداء معلناً عن “اليوم المجيد”، فيما الجنازات تنتشر من بيروت إلى الجبل مروراً بالضاحية وصولاً إلى الجنوب والبقاع وعكار. وفي الأثناء كان ميشال عون بالكاد يضبط غبطته الفائقة متكلماً عن عودة البلاد إلى سكتها الصحيحة، مقنعاً “شعبه” بفوائد التحالف مع حملة السلاح ومعانقة آل الأسد.




قبل ذلك وبعده، كانت فرق الاغتيال قد حصدت عدداً وافراً من سياسيين وأمنيين وصحافيين، على نحو بالغ الفعالية في إخماد أي تمرد أو اعتراض كالذي حدث ابتداء من شباط 2005.

وهكذا، ابتدأت مسيرة لبنان جديد أكثر شيعية وسنّية ودرزية ومارونية من أي وقت مضى، فيما الغلبة واضحة وكاسحة لأهل “الممانعة” وحزبها. واستقرت الجمهورية على نظام سياسي سُمّي “الديموقراطية التوافقية”، في تقليد لغوي بعثي على مثال “حرية، وحدة، اشتراكية” حيث لا حرية ولا وحدة ولا اشتراكية. وهكذا انعدمت الديموقراطية واغتيل التوافق بسطوة السلاح وإرهابه.

وظهر في هذه المسيرة الكبرى وتقدمها رجل ملتهب الطموح. وصار اسمه رديف السلطة وقرارها، وقوله صنو السياسة كلها ووجهتها. وكان في قلبه أكداس من الثارات الطائفية المؤجلة، وراح ينبش قبوراً هنا وأحقاداً هناك، وافتتح باسمها بازار الحصص والامتيازات والصفقات والتعيينات. وأصبح جبران باسيل أيقونة الجمهورية وحكوماتها وانتخاباتها وتشريعاتها ودستورها وكهربائها ودبلوماسيتها. وبرع إلى حد الإعجاز، بمعية “الأمين العام” ورعايته، في ردّ كل لبناني إلى طائفته. فهو وإن لم يخترع الطائفية، إلا أنه خصّبها وصلّبها بنجاح منقطع النظير إلى حد أن أي سياسي لا يجاريه تعصباً يسقط ويفشل ويتهمش. فباتت الباسيلية ثقافة السياسة اللبنانية برمتها.

وفي خضم ذلك، وعلى امتداد عشر سنوات، كان بشار الأسد يرتكب بلا هوادة تلك المقتلة الكبرى التي لا تضاهيها سوى أهوال الجرائم النازية وفظاعات كمبوديا ورواندا. وبمعية انتصاراته هو والأمين العام وصل ميشال عون أخيراً إلى سدة الرئاسة، واكتمل انبساط نفوذ قاسم سليماني ودولته وحرسه الثوري وانضمت بيروت كعاصمة عربية رابعة في فلك طهران..

منذ ذلك الحين، ابتدأت حياتنا الهنية المزدهرة السعيدة وانتعشت الآمال والطموحات بقيادة الأسد وعون ونصرالله وباسيل، يتبعهم مدمنو السلطة والزعامة بمقايضة يوضاسية يتقنونها دوماً. وصار لبنان أمثولة فريدة يشهد عليها سجل حافل من الإنجازات متوّجة بانتهاء شغب 17 تشرين المشؤوم، والتخلص من نصف بيروت الفاسدة بانفجار القضاء والقدر، وتبخر دولارات الامبريالية الأميركية، وتعميم المساواة فقراً، وقعود أكثر من مليون سوري لاجئ ومعدم في مخيمات الانتصار على المؤامرة الكونية، في أبهى صور وحدة المسار والمصير. وكان “العهد القوي” على سكته الصحيحة قد خلّص لبنان من الاقتصاد الريعي غير المنتج، مما يسمى سياحة وخدمات ونظام مصرفي ربوي رأسمالي وتجارة استهلاكية لا نفع فيها. كما تخلص من تبعية مرذولة للعالم العربي وللغرب الاستعماري، واتجه شرقاً بنصيحة تاريخية للأمين العام المعصوم.

وها قد أتت مناسبة 7 أيار، اليوم المجيد، بالتزامن مع استعداد الأسد للعرس الديموقراطي الذي نشهد طلائعه منذ الآن صوراً للقائد المفدى بضحكته إياها، تنتشر في الربوع اللبنانية، تجديداً للمسيرة الكبرى، في حملة افتتحها من موسكو جبران باسيل داعياً إلى “تثبيت الأسد”.

وها نحن اللبنانيين نتهيأ منذ الآن لمشاعر الغيرة تجاه مشهد القوافل والمسيرات والحشود التي ستتوافد بحماسة منقطعة النظير على السفارة السورية يوم الاقتراع العظيم بالدم. وقد لا يعوض حسرتنا سوى رؤية باسيل وهو يتلو قسم تنصيبه رئيساً لجمهوريتنا السعيدة.