الحاجة الى إعادة التوازن للموقف الفرنسي

علي حمادة – النهار

الزيارة التي يقوم بها وزير الخارجية الفرنسي جان ايف لودريان تمثل في مكان ما فرصة أخيرة للمبادرة الفرنسية تجاه لبنان. ومن الواضح ان التحول في المقاربة الفرنسية للعلاقات مع القوى السياسية اللبنانية المسؤولة بنسبة كبيرة عما آلت اليه أحوال البلاد، قد سلكت طريقاً مختلفاً عما كانت عليه في الأشهر الاولى التي تلت اطلاق المبادرة في مطلع أيلول 2020.




ولا بد من التوقف امام وجهي التحول الفرنسي في التعامل مع القوى السياسية. اعلان جان ايف لودريان قبل أيام عن ان بلاده اطلقت آلية للعقوبات على شخصيات لبنانية تعتبرها باريس مسؤولة عن عرقلة تشكيل الحكومة، وآخرين مرتبطين بملفات فساد، يمثل تغييراً كبيراً وابتعاداً عن الفكرة التي كانت تتردد في أروقة القرار في باريس، ومفادها ان سياسة العقوبات لا تجدي نفعاً. هذا ما قاله الفرنسيون لاركان إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بعدما انزلوا عقوبات بحق وزيرين سابقين هما علي حسن خليل وغازي زعيتر، وايضا بعد استهداف صهر رئيس الجمهورية جبران باسيل بعقوبات وفق قانون “ماغنتسكي”. كان المسؤولون الفرنسيون يشددون على ان افضل الطرق لتعبيد الطريق امام ولادة الحكومة، هي ان يقوم الفرقاء المتنازعون بتقديم تنازلات.

واعتبروا ان فريق رئيس الجمهورية وصهره يعطلان تشكيل الحكومة من خلال التمسك بشروط متشددة تحت عناوين لا تمت بصلة الى هدف تحقيق الإصلاح. في المقابل اعتبرت مواقف الرئيس المكلف سعد الحريري الذي رفض الاجتماع بباسيل في باريس على انها تشدد يمكن للحريري ان يتخلى عنه في سبيل الوصول الى المبتغى. فالفرنسيون الذي انحرفوا كثيرا عن المبادرة بطبعتها الأولى لمسوا انهم تساهلوا كثيرا في ما يتعلق بطريقة التنفيذ، الى درجة انهم صاروا يطالبون الحريري بتشكيل الحكومة كيفما اتفق الامر. ثمة من يرى ان باريس أخطأت في التنازل عن روح المبادرة، وعن “حكومة المهمة ” المستقلة. جرى نسف تكليف السفير مصطفى اديب، ثم انتقل الحديث الى مسألة المحاصصة السياسية في الحكومة. وبالرغم من ان الرئيس الحريري انتزع التكليف تحت عنوان “تنفيذ المبادرة الفرنسية”، وحاول ان يفرض الالتزام بها، فإن أصحاب المبادرة الفرنسيين كانوا قد تحولوا عنها نوعا ما، حتى انهم ضغطوا على الحريري في المرحلة الأخيرة لكي يتخلى عن موقفه المتشدد في ما يتعلق بمسألة المحاصصة بما يفتح باب ولادة الحكومة.

ماذا الآن؟ الحريري امام طريق مسدود. و لكن رئيس الجمهورية و اعضاء فريقه الذين ينتظرون بفارغ الصبر انكفاء الحريري هم أيضا امام طريق مسدود، ويغامرون كثيراً في ما يتعلق بمسألة ميثاقية الرئاسة الثالثة. فرئيس الجمهورية أياً يكن، وبصرف النظر عن شخص الرئيس المكلف، لا يمكنه ان يرفض تكليفاً من المجلس النيابي بهذه الطريقة، وبالطبع لا يمكنه ان يتصرف على قاعدة انه هو من يفرض رئيسا للحكومة، وذلك دون ان يتسبب ذلك بأزمة خطيرة جدا على مستوى التوازن الوطني. من هنا ضرورة تنبه الفرنسيين الى ان عون هو المسؤول الأول قبل أي احد آخر عن الازمة الراهنة، وان يتصرفوا على هذا الأساس، فلا تقتصرضغوطهم على فريق دون الآخر !