سفر بعد طول انتظار! – حسين شبكشي – الشرق الأوسط

يراقب العالم بخليط من الأمل والقلق الفترة القادمة والمتعلقة بإعادة فتح الحدود التدريجي، والسماح بحرية السفر والتنقل والسياحة بين الدول والقارات المختلفة، وذلك بعد أن ارتفعت معدلات تلقي اللقاحات في عدد كبير من الدول، نظراً للآثار الإيجابية المتوقعة على الصعيدين النفسي والاقتصادي.

السفر والتنقل هو حق طبيعي للبشر، ومن ثم أقرته وحمته القوانين والدساتير والتشريعات بصور مختلفة في معظم دول العالم. ومع الوقت تحول مفهوم السفر والتنقل بشكله البسيط إلى صناعة سياحة معقدة ومترامية الأطراف يعمل فيها الملايين من البشر وتستثمر فيها المليارات من الدولارات في مجالات شتى. تحقق السياحة بمفهومها العريض والشامل العديد من النقاط الإيجابية في الجانب الاقتصادي، فهي توفر الكثير من الفرص الوظيفية، وتوفر فرصاً لتحسين الدخل الموسمي. وهي أسرع وأفضل فرصة تحقق عدالة توزيع فوائض المداخيل عندما يتحقق أي نمو اقتصادي في أي بلد في العالم. فهناك فارق كبير بين النمو وعدالة التوزيع للمداخيل، ولعل أبلغ وأجمل وصف لذلك الأمر هو ما قاله المفكر والاقتصادي المصري الراحل الدكتور جلال أمين، عندما كان يصف الاقتصاد البرازيلي الصاعد بقوة فقال: «البلد بخير ولكن الشعب تعبان».




ولا تحقق منظومة السفر والتنقل والسياحة فرصة التوظيف السريع ورفع مستوى المداخيل لشريحة الشباب تحديداً بأقل المعوقات فحسب، ولكن هذه المنظومة تعد أكبر مستهلك وبالتالي المؤثر على طلب الأسواق فيما يتعلق بسعر النفط في العالم. شركات الطيران والفنادق والمنتجعات والمطاعم والسياحة تحبس أنفاسها هذه الفترة وهي تترقب ردة الفعل الأولية لحجوزات السفر والإقبال عليها، وما إذا سيكسر لدى الناس حاجز الخوف والقلق والحذر ويجعلهم يعودون إلى ما كانوا عليه من قبل، أم أن عنصر الذعر النفسي والرغبة في الإحساس بالأمان سيكون هو الطاغي والمسيطر.

هناك حديث حقوقي متزايد عن مدى «مشروعية» جواز السفر الإلكتروني المقترح، الذي يثبت فيه تلقي المسافر اللقاح المطلوب أو إصابته بالفيروس وشفاؤه منه، بسبب مخاوف بعض الحقوقيين من أن يشكل هذا الجواز الإلكتروني المقترح سابقة خطيرة ستخلق أرضية خصبة للتمييز الكبير ضد غير المتلقحين وتمنعهم من ممارسة «حقهم الطبيعي» في السفر والتنقل والسياحة، وهذا مدخل قانوني تأخذه شعوب العالم الغربي بمنتهى الجدية والأهمية.

فترة الصيف القادمة ستكون بمثابة بالون اختبار عظيم لتجربة مدى جدية البروتوكولات الصحية التي اعتمدتها الدول التي قررت فتح أبوابها وحدودها لاستقبال الزوار والسياح، مع عدم إغفال وجود العديد من الدول التي تعتبر تحت خط الخطر بسبب تفشي الوباء فيها وفقدان قدرة القطاع الصحي على مواجهته مثل الهند وجنوب أفريقيا والبرازيل… هذه البروتوكولات هي دليل عملي على أن العالم بات جاهزاً لفتح الاقتصاد بعد شهور طويلة مؤلمة أنهكت الموارد ودمرت المداخيل بشكل غير مسبوق. ولكنّ هناك قلقاً وخوفاً من متحورات الفيروس العنيفة الآخذة في التوسع والانتشار، التي تخلّف من ورائها أرتالاً هائلة من الضحايا مع كل متحور جديد يتم الإعلان عنه.

السفر والتنقل والسياحة في الشهور الماضية كان يتم بأعداد ضئيلة ومحدودة للغاية، مما أبقى الضرر الممكن حصوله تحت السيطرة بشكل عام، ولكن هذا لا يؤكد استمرار الوضع نفسه مع الانفتاح الكبير الجديد المنتظر والمتوقع. هناك أصوات مختلفة تتفاعل مع قرار فتح المجال للسفر والتنقل والسياحة، يزداد التجاذب بين كل من العلماء والأطباء والاقتصاديين والقانونيين؛ كل يدلي بدلوه بحسب تخصصه، فيثير الأخطار والمحاذير بحسب وجهة نظره، ولكل منهم وجهة نظر تقدر وتحترم، إلا أن الوتر الأعلى يبقى للناس التي ترغب في أن يكون لديها الحق والاختيار في السفر والتنقل والسياحة، وأن يكون قرارها في ذلك لها.

وقت مؤلم وثقيل ومكلف مر به العالم في مواجهته الطويلة مع فيروس «كوفيد – 19»، ولكن تبقى أهمية استمرار التعامل مع الفيروس بحذر شديد جداً، لأن المعركة معه لا تزال قائمة، فالعالم قرر إنقاذ الاقتصاد ومنح حق الناس في ممارسة السفر والتنقل والسياحة.

المعركة مع الفيروس مستمرة ولم تنتهِ حتى الآن. قالوا قديماً في الأثر إن في السفر فوائد سبعاً، ومن الممكن أن يضاف إليها فائدة ثامنة مفادها هو قابلية الناس في التعامل مع الوباء العالمي بجدية واحترام.