زيارة لودريان آخر الخيبات أم انفراجات؟ إذا اعتذر الحريري… هل تجرى استشارات؟

رضوان عقيل – النهار

يحضر وزير الخارجية الفرنسي جان- إيف لودريان إلى بيروت، في توقيت مفصلي وحساس لحسم مصير تكليف الرئيس سعد الحريري وتأليف حكومته، أو توجهه إلى الاعتذار عن القيام بهذه المهمة التي شغلت الداخل والخارج. ويتم في موازة ذلك ترقب مسار الملف النووي في فيينا بين إيران وأميركا، فضلاً عن الحديث عن عودة التقارب بين الرياض ودمشق. ولم تكن موسكو بعيدة من هذه المحاولة لفتح صفحة جديدة بينهما، بعد سنوات من طلاقهما، مع ترقّب كل هذه الأحداث وإمكانية انعكاساتها على لبنان.




ويأتي لودريان إلى بيروت هذه المرة بأسلوب قاسٍ وأكثر حزماً في المواقف التي أطلقها لإنقاذ الطائف أولا، زائد تشكيل الحكومة في لحظة يتجه فيها البلد نحو المزيد من التراجع الاقتصادي والمالي وانهيار ما تبقى من مؤسسات قادرة على الصمود في القطاعين العام والخاص. وإذا كان رئيس الديبلوماسية الفرنسية سيلتقي الرئيسن ميشال عون ونبيه بري، فإن الأنظار ستبقى شاخصة على كيفية تعاطيه مع الحريري.

وينتظر الجميع الاستماع إلى ما سيحمله لودريان الذي تخلى عن استعمال قفازاته الديبلوماسية مع اللبنانيين. وهو في المناسبة صاحب أسلوب أقرب إلى شخصية الجنرال أكثر من قيادته مفاتيح ديبلوماسية الفرنسية إلى العالم. وتعرض الرجل لسلسلة من الخيبات في بيروت جراء مماطلة أكثر السياسيين في كيفية التعاطي معه وعدم الالتزام بما كانوا يقولونه أمامه، فضلاً عما سمعه منهم الرئيس إيمانويل ماكرون. وأمام هذا المناخ السلبي الذي يسيطر على البلد، ولا سيما بعد وضع خيار الاعتذار على قائمة خياراته، يكون باسيل هنا قد ربح على الحريري بالنقاط. ويبقى أنّ عدم وصول الرئيس المكلف إلى السرايا ستكون له جملة من الارتدادات على أكثر من مستوى في البلد ولا سيما في ظلّ الحديث الدائر ولو في الصالونات، ومن دون ان يحسم الحريري هذا التوجه بأنه في حال اعتذاره لن يقف متفرجاً هو وكتلته في البرلمان على رئيس حكومة يحلّ مكانه وهو المستحق الأول في احتلال الكرسي الثالث في البلاد. وسيتوقف لودريان عند كل كلمة سيسمعها.

في غضون ذلك، سيكرّر بري أمامه تمسكه بالحريري والعودة إلى مبادرته التي لا تمنح أي فريق ثلثاً معطلاً، مع تشديده على ضرورة الدفع في تأليف الحكومة وتعويض كل الخسائر والانتكاسات التي يتكبدها اللبنانيون. ويعرف بري سلفاً و”حزب الله” أيضاً، أنه لا يمكن بسهولة إيجاد شخصية سنية تشكل بديلاً من الحريري والقفز فوق تياره. ولن يقدم عون في المقابل على الإعلان أمام لودريان أنه لا يريد الحريري رئيساً للحكومة، حتى لو كان أكثر أركان الفريق العوني يريدون هذا الأمر. وفي حال فاتح الوزير الفرنسي، عون، بموضوع فرض العقوبات، سيسمع من عون أنه متمسك بالدور الذي تقوم به باريس ومساعدتها للبنان بغية تأليف حكومته المنتظر من أشهر عدة.

وستدعو بعبدا في المقابل، لودريان، إلى التدقيق جيداً في هويات الفاسدين والتصدي للذين ساهموا في هدر مالية الدولة من منطلق أن فرنسا وسويسرا وبلدان الاتحاد الاوروبي الأخرى يعرفون من مصارفهم حركة التحويلات المالية من المصارف اللبنانية إلى عواصمها، ولا سيما التحويلات التي تمت بعد انتفاضة 17 تشرين الأول. وإنّ على المعنيين والغيارى على تطبيق مثل هذه العقوبات أن ينفذوا الإجراءات المطلوبة مع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ومعرفة حقيقة ما أقدم عليه من هندسات ومشاريع مالية طوال السنوات التي أمضاها في منصبه. ويفهم من هذا الموقف أنه لا يعقل أن تقدم باريس على رفع سيف العقوبات وتهديد الجميع.

ويعود فريق رئيس الجمهورية هنا إلى التذكير بماهية الرسالة التي وجهها إلى مجلس النواب قبيل تسمية الحريري رئيساً، لمعرفة حقيقة الأمور وليس من باب مصادرة خيارات الكتل النيابية. ليتبيّن عند من لا يلتقي مع الرئيس المكلف أنه غير قادر على تأليف الحكومة وفق الشروط التي وضعها والتي لا يتعاطى من خلالها بمنظور واضح مع الجميع. وهذا ما عكسه باسيل في زيارته إلى موسكو، حيث أوضح للروس نظرته إلى حقيقة كل ما يحصل. وإذا استمرّ الحريري على مقاربته في التأليف هذه أمام لودريان، فإنه لن يتمكن من إتمام مهمته ولن يقول له عون إن من الأفضل للحريري سلوك طريق الاعتذار. وتنفي بعبدا كل المعلومات التي يتناولها البعض بأنها بدأت في التفتيش عن اسم سنّي لتولي مهمة التأليف.

أما بالنسبة إلى اعتذار الحريري والخطوات التي سيلجأ اليها في ما بعد، فإن التفكير في هذا الخيار قد تطرّق إليه قبل أسابيع ولم يحسمه بعد انتظار ما ستخلص اليه حصيلة زيارة لودريان. وثمة ما يدور في الحلقة الحريرية الضيقة أنّ من اقترح عليه بالفعل أان لا يكتفي بالاعتذار فحسب، بل أن يعمل في الوقت نفسه على تقديم استقالة كتلته من البرلمان- قبل البدء في الاستشارات النيابية- لأنه في حال إقدامه على مثل هذه الخطوة سيجبر الجميع على إجراء انتخابات مبكرة وسيعمل على استثمار ما أقدم عليه في بيئته السنية التي من المتوقع أن تحتضنه أكثر ويخوض الانتخابات تحت شعار مظلومية السنّة. ولا يلوح الحريري بهذا الطرح من باب تحسين شروطه. وعلى “حزب الله” أن يقرأ جيداً مضمون هذه الرسالة التي يخشاها بري لأنها تضرب في حال حصولها آخر المؤسسات في البلد.

وفي حال الوصول إلى مثل هذا السيناريو ستتوزع فيه حمم كتلة النار على أصابع الجميع ولو بدرجات. وثمة من يعتبر أن الحريري نفسه لم يعد يريد العودة إلى السرايا في ظلّ التوجه الى رفع الدعم، وأن من الأفضل له هنا أن يخوض الانتخابات تحت راية المعارضة منعاً لأي مزايدات بدل أن يكون في السرايا وهو يعاين مسلسل كل هذه الانهيارات.

وفي ظلّ هذه المرحلة ووسط كل هذه العواصف، يبدو أن التمتع بـ”أفيون السلطة” في هذا التوقيت لا جدوى منه. وقد يكون من من الأفضل أمام الطامحين إليها أن يكونوا خارجها.