//Put this in the section //Vbout Automation

ما الفرق بين الجزمة السورية والراينجر الإيراني؟

قاسم يوسف – أساس ميديا

مرعبٌ هذا الفراغ. يكاد يكون لشدّة هوله ووقعه وفظاعته أكثر دويّاً من الانهيار. ليس في بلادنا رجلٌ رشيدٌ ولا حزبٌ رشيدٌ ولا حكمٌ رشيدٌ ولا دولةٌ رشيدة. ندور جميعاً في فراغ رهيب. في اضمحلال لامس التصحّر والانعدام. في زوبعة تعصف ضمن فنجان ينضح بالقيح والكراهية والضغائن. نتقاذف ما تيسّر من رشقات القدح والذمّ. نتبادل الطعنة تلو الطعنة على مذبح التفاهات والصغائر. ونتفرّج على قطارنا وهو يمضي بالسرعة القصوى. بلا كوابح. بلا قائد. بلا مسؤول. بلا ضابط إيقاع. نحو الارتطام المؤكّد في قاع الجحيم.




تصوّروا مثلاً أنّ وليد جنبلاط أخذ يترحّم على غازي كنعان في آخر تجلّياته. يقول للزميل حسين أيوب إنّ “أبا يعرب” كان وحده قادراً على تشكيل حكومة في أسبوع. ويضيف بصراحته الجارحة ومقارباته الموصوفة: “أيام السوريّين، كان وضع البلد أفضل بما لا يقاس من الآن. حتّى حافظ الأسد، مهما اختلفت أو اتّفقت معه، لا يمكنك إلا أن تحترمه. كان يتعامل مع لبنان كدولة. شعب واحد في بلدين. الآن، أصبح لبنان ساحة. الدولة تتلاشى. حتّى القضاء ينخره السوس. الخشية اليوم على القوى العسكرية والأمنية، وخصوصاً الجيش”.

هذه خلاصة مدمّرة بعد ستة عشر عاماً من الأحلام والأوهام والخيبات. معطوفة على ثمانية عقود من الصيغة والميثاق والاستقلال. وعلى قرن كامل من لبنان الكبير الذي ولد بعد ستة آلاف سنة من الحضارة. ثمّة في هذه الخلاصة ما يتجاوز الفولكلور التقليدي وحفلات الزجل والردح حول استقلالنا الناجز وبلوغنا سنّ الرشد. وثمّة أيضاً وقائع وحقائق لا بدّ من التوقّف عندها، لدراستها، وتأمّلها، واستخراج ما تيسّر منها، ليس لنتعلّم أو نتّعظ، بل لنستدلّ به على أنّ التاريخ في بلادنا يُعيد نفسه، وهو سيبقى كذلك، أقلّه في الوقت الراهن وفي المدى المنظور.

ما الفرق بين اتّفاق القاهرة عام 1969 وبين ثلاثيّة الجيش والشعب والمقاومة؟ ما الفرق بين طريق القدس التي تمر تارةً في جونية وطوراً في حمص وحلب وصنعاء؟ ما الفرق بين مخايل الضاهر أو الفوضى وبين ميشال عون أو الفراغ؟ ما الفرق بين الاجتياح العسكري الهائل عام 1982 وبين العزلة السياسية والاقتصادية الرهيبة التي نعيشها اليوم؟ ما الفرق بين خطف الطائرة الكويتية عام 1988 وبين قضيّة الرمّان الملغوم؟ ما الفرق بين الانتداب الفرنسي والوصاية السورية والاحتلال الإيراني؟ ما الفرق، بل ما القاسم المشترك بين كل هذه الأحداث وغيرها؟

الحقيقة أنّنا، كنّا ولا نزال، مجرّد رهائن. مجرّد أسرى. شعب مخطوف ومكبّل ومسروق. لقد سرقوا رقابنا الطريّة وأسندوها بخبث ودهاء فوق أنصال المقاصل. ثم تركوا لنا الحرّيّة في اختيار حتفنا: بعينين مفتوحتين أو مُغمضتين.

هذا ما يدفع وليد جنبلاط، ربّما، إلى مقاربة ضمنيّة بين وصايتين. بين احتلالين. بين شهيّتين مفتوحتين على التوسّع والقضم. كانت الجزمة السورية وقتذاك أكثر تفهّماً وبراغماتيةً ولطفاً من الرينجر الإيراني العابر للجغرافيا والخرائط. وكان حافظ الأسد، على الرغم من وحشيّته وإجرامه وديكتاتوريّته، أكثر حرصاً على لبنان الدولة من قاسم سُليماني وأسياده وورثته الذين لم يلحظوا منه سوى فيلقهم العسكريّ المنتشر على ضفاف المتوسّط.

يا لفرحتنا ونحن نشهد على هذه المقارنة البديعة بين جزمتين، وكأنّه ممنوع علينا أن نعيش كأيّ دولة سويّة، وكأيّ شعب عاديّ يتمتّع بالحدّ الأدنى من الكرامة الإنسانية. لم نعد متلهّفين لعملقة لبنان، ولا لنظريّات ميشال شيحا، ولا لأساطير فينيقيا وطيورها وأرزها وخلودها. نريد فقط أن نصير دولة طبيعيّة، شعباً طبيعيّاً، أحزاباً طبيعيّة، نعيش حياة طبيعية، نستطيع أن نُسقط حكومة وأن نؤلّف أخرى، من دون الحاجة إلى أبي يعرب، أو إلى المرور الإلزامي في نصف عواصم العالم.

يضحك جبران باسيل ملء صدغيه وهو يتّخذ وضعيّة الاستفزاز الأقصى في صورته إلى جانب كبير الديبلوماسية الروسية سيرغي لافروف، وذلك في ردّ سريع على النقاط الكثيرة التي سجّلها سعد الحريري في خانته عبر زيارته المكّوكية من أنقرة إلى موسكو، مروراً بالقاهرة وأبو ظبي والفاتيكان. وحدها بيروت المثلومة المكلومة، من مرفئها وأهراءات قمحها حتّى آخر أزقّتها، تنتظر الفرج والنضوج المستدام، وهي ما برحت تُردّد على مسامعنا مع إشراقة كلّ صباح: الذين لا يتعلّمون من التاريخ محكومٌ عليهم أن يكرّروه.