//Put this in the section //Vbout Automation

ما هي خلفيّات الترويج المتجدد لفكرة “تحكيم الجيش”؟

ابراهيم بيرم – النهار

آل نائب رئيس مجلس النواب ايلي الفرزلي أخيراً الى “استراحة المحارب” بالغياب عن واجهة الحدث بعدما أجرى، استناداً الى إحصاء أوّلي أجرته جهات متخصصة بالرصد، نحو 40 مقابلة مع عشرات محطات التلفزة المحلية والعربية والاجنبية الناطقة بالعربية، عدا عن إطلالات عبر وسائل الإعلام المكتوبة، لكي يشرح ويفسر الدوافع والخلفيات التي حدت به الى اطلاق نظرية “الاطاحة بمنظومة الحكم” الحالية وفتح كل المعابر لكي يقبض قائد الجيش على زمام السلطة كحل نهائي يؤمّن الخروج من حال الاستعصاء والانسداد السياسي الحاصل في إحدى المرات النادرة في التاريخ السياسي للبلاد.




وفي الحصيلة الاولية وخلال ثلاثة ايام متتالية فقط، نجحت حيوية الفرزلي في إشباع نهم الاعلام المتعاظم والمتلهف لأي موضوع ينطوي على اثارة من نوع ما، بمادة سياسية بدت حاملة لعناصر جديدة، لاسيما وقد صار هذا الإعلام عبارة عن ميادين مواجهة سياسية.

في “الاطروحة النظرية” التي عمل الفرزلي على بلورتها، برزت نقطتان اساسيتان مثيرتان للاهتمام:
الاولى انه بما اطلقه من مواقف يشهر قطيعة نهائية مع فريق الرئاسة الاولى بما هي رئاسة جمهورية وحاضنة سياسية، أي “التيار الوطني الحر” وتكتل “لبنان القوي”، أي الكتلة البرلمانية للتيار.

وواقع الحال هذا، وفق تشخيص التيار العوني، ليس مستجدا أو مباغتا، بل له مقدمات تراكمية تبدو مكشوفة للعيان، اذ ان الفرزلي لم يحضر من اجتماعات تكتل “لبنان القوي” اكثر من عشر مرات منذ عودته الى سدة النيابة بعد غياب قسري عنها لدورتين متتاليتين. أما في السياسة فالطلاق بائن وبيِّن منذ زمن وقد تبدّى خصوصا بعد “الدفاعات الشرسة” التي أبداها الفرزلي عن مسألة عودة الحريري الى الرئاسة الثالثة، وهي التي فاقت بكثير حتى دفاعات اعضاء كتلة “المستقبل”.

الثانية، وهي الاهم والاكثر جذباً للاهتمام، فتتمثل في ترويج الفرزلي لفكرة فحواها “ان قائد الجيش والحكومة العسكرية” هما الحل الحصري عبر رفعهما الى مقام الحكم والسلطة.

واذا كان الإعلام “المحارب” قد التقط فقط مسألة “انشقاق” الفرزلي عن تكتل “لبنان القوي” ومضى الى التركيز عليها لما وجده في ذلك من عملية تسديد لمزيد من “الضربات” المتتالية للعهد وإحكام لحلقات الحصار عليه توطئة لخنقه، فان الامر الاكثر انطواء على الأبعاد هو ترويج الفرزلي لنظرية “تحكيم العسكر”.
من البديهي الاشارة الى ان ارهاصات هذه الفكرة والدعوة الى تأمين انتقال العماد قائد الجيش من اليرزة الى قصر بعبدا على غرار تجربة مماثلة لم يمر عليها الزمن، قد بدأت تتسلل الى دائرة التداول السياسي والاعلامي منذ نحو عامين، وكانت متدرجة ومتدحرجة اذ بدأت خفرة وخجولة ولكنها أخذت في الاتساع والتعاظم أخيراً، وصارت أكثر جرأة واقتحاماً عندما وردت على لسان شخصية بمنزلة الفرزلي.

صحيح ان ثمة اعلاميين وبعض سياسيين شاركوا في تعزيز هذا الخطاب سابقا مع معلومات افادت بنشوء “مكتب سياسي يحيط بالقائد” مهمته خدمة هذه الفكرة وايجاد مسوغات لها، الا ان الفرزلي هو اول واعلى مسؤول يتولى مهمة التبشير بهذا الامر. وهذا من شأنه ان يكوّن حزمة ايحاءات واستنتاجات مترابطة لها مقدمات ابرزها:
– “الحملة” المفاجئة التي شنّها زعيم “تيار المردة” سليمان فرنجية على قائد الجيش مسمياً اياه بالاسم على خلفية اتهام هذا القائد بتنظيم حملة تحريض ضده على خلفية تلكؤ وزير “المردة” في التوقيع على مرسوم الحدود البحرية.

لم يعد خافيا ان شغل فرنجية الشاغل منذ اعوام هو الوصول الى قصر بعبدا، لاسيما انه بات يعتبر ان الامر حق مكتسب له أُخِذ منه عنوة مرتين في السابق. لذا باتت “بوصلة” كل الامور عنده هي هذه المسألة وما يرتبط بها حصراً.

– المعلوم انه في محطات عدة سابقا بادر قائد الجيش الى نفي رغبته في بلوغ الرئاسة الاولى، وان يكون أضحى اسير حسابات الوصول اليها، ولكن التطورات اللاحقة أرخت ظلالاً من التشكيك على الامر، خصوصا ان تجارب لأسلاف له تولوا الرئاسة اظهرت انهم لجأوا الى النفي عينه ثم ما لبثوا ان تراجعوا تحت ذريعة “الحاجة الوطنية” و”ضرورات الانقاذ من انهيار هيكل الدولة”، بل ثمة مَن يذكِّر في هذا المقام بان الرئيس فؤاد شهاب قد تعرَّض للتهديد اذا ما بقي على رفضه لتولي الرئاسة انفاذاً لاتفاق عبد الناصر – مورفي عام 1958.

– ان هناك من يرصد في الاونة الاخيرة محاولات “الغاء” منظمة تشارك فيها مرجعيات لرموز وقوى سياسية مسيحية، وهي تتلاقى وتتقاطع مع حملات تقودها دول هدفها المضمر السعي لانهاء ادوار نخبة سياسية بعينها.

– هناك من يرصد حملة غربية – عربية منظمة عنوانها العريض “تحصين الجيش” من اي مخاطر سقوط عبر رفده بمساعدات غذائية وطبية وغير ذلك، وان يتم الامر امام عدسات الاعلام يحمل في طياته رسائل سياسية جلية. ومع كل عمليات “الخفض والرفع” للقوى والمكونات والجارية منذ فترة على قدم وساق وبوضوح في اللعبة السياسية الداخلية ويراد منها ارساء اسس التغيير والتبديل للمعادلات القائمة، خصوصا في مرحلة ما بعد الانتخابات النيابية، فان ثمة من يجد انه يقف دون ان تكتسب فكرة “تحكيم قائد الجيش” شرعية وتصير أمراً واقعاً لا يمكن تحاشيه، عائقان اساسيان:
الاول، ما يشاع عن تحفّظ مازال قائد الجيش يبديه، وهي ثغرة يعلمها المشرفون على تنفيذ “المشروع الشاق” برمّته، لذا يسعون الى تلافيها عبر جرعات دعم وإسناد متعددة.

الثاني، الموقف الشديد الغموض لـ”حزب الله” والذي ظل على غموضه رغم ان المحيطين بقائد الجيش لا يتركون مناسبة إلا يوحون فيها بان لا شائبة تشوب علاقته بالحزب، وانها تتم وفق قنوات منظمة، فضلاً عن ان ثمة مَن نقل الى قيادة الحزب المعنية سابقا ان قائد الجيش لم يطرح في أيّ من زياراته الى الخارج المسألة الاعز على قلب الحزب وهي سلاحه.

ومع كل ذلك، فان الحزب لا يبدو في وارد الافصاح أو بعث إشارات التطمين الى مَن يعنيهم الامر.