//Put this in the section //Vbout Automation

ماذا تغير في لبنان بعد انسحاب سوريا؟

مضى 16 عاما على انسحاب الجيش السوري من لبنان، عقب انتفاضة 14 آذار 2005 (ثورة الأرز)، التي اندلعت ردا على عملية اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، والتي اتهم نظام بشار الأسد بالضلوع فيها إلى جانب حزب الله اللبناني رغم أن المحكمة الدولية التي أنشأت لهذا الغرض عجزت عن إيجاد أدلة على ذلك.

وجاء اغتيال الحريري تتويجا لسلسلة من الأحداث كانت تحمل بذور تغيير جذري ليس لمستقبل لبنان فقط، بل لمستقبل سوريا، لكن ذلك لم يتحقق، فلبنان يدور منذ ذلك التاريخ في حلقة مفرغة ويعيش في أزمة غير مسبوقة. أما النظام السوري فانشغل بالانتفاضة الداخلية على أركان حكمه ولم يعد بالقوة التي تمكنه من التحكم في صنع القرار اللبناني.




فقد عزز حزب الله المدعوم من إيران دوره في الحياة السياسية، حيث يقود تيار 8 آذار، الذي يضم أيضا التيار الوطني الحرّ وتزعمه سابقا الرئيس الحالي ميشال عون.

وقد عرف هذا الفريق بعلاقته الوطيدة مع دمشق، حتى باتت هذه الجماعة الشيعية النافذة تتحكم بقرار السلم والحرب.

ونتيجة سيل من الضغوط ألقى بشار الأسد خطابا أمام مجلس الشعب (البرلمان) في الخامس من مارس 2005، أعلن فيه قرار سحب قواته من لبنان، وهو ما اكتمل في 26 أبريل من العام نفسه لكن انتهاء “الوصاية” السورية لم تحوّل لبنان إلى “وطن سيّد، حرّ ومستقل”، فقطاع واسع من الشعب اللبناني يشكو من أن وصاية النظام السوري حلت محلها وصاية حليفته إيران، الداعمة لجماعة حزب الله اللبنانية.

ويرى شارل جبور رئيس جهاز الإعلام في حزب القوات اللبنانية أن لبنان دفع ثمنا كبيرا وهو الانقلاب على اتفاق الطائف عن طريق الاحتلال السوري للبنان، الذي دام 15 عاما بين 1990 و2005. وحمل مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع الراهنة في لبنان إلى النظام السوري، قائلا إن هذا “النظام كرّس ممارسة سياسية معينة أوصلت الدولة اللبنانية إلى الفشل من خلال الانقلاب على الدستور والإدارة السياسية”.

ووسط استقطاب حاد بين فريقين لبنانيين أحدهما يضم حزب الله، تمر البلاد بأزمة سياسية واقتصادية هي الأسوأ منذ انتهاء الحرب الأهلية عام 1990، ويعجز عن تشكيل حكومة جديدة منذ استقالة حكومة تصريف الأعمال الراهنة، برئاسة حسان دياب، في العاشر من أغسطس الماضي.

ويؤكد جبور أنه بعد انسحاب الجيش السوري، واصل حزب الله ما كان يقوم به هذا الجيش، أي لبنان كان قراره في دمشق، ولم يكن قراره أبدا لبنانيا سياديا داخل المؤسسات والدستور، واليوم انتقل القرار السياسي إلى معقل حزب الله. ويعتقد أن لبنان لا يمكن أن يخرج من النفق المظلم إلا من خلال أمرين أساسيين: إعلان حياد لبنان وأن يكون هناك قرار للدولة سيادي، ويُسلّم السلاح غير الشرعي إلى الدولة.

ويقصد جبور بـ”السلاح غير الشرعي” سلاح حزب الله، الذي يرى مؤيدون للجماعة أنه ضروري للمقاومة في مواجهة إسرائيل التي لا تزال تحتل أراضي لبنانية، بينما يقول منتقدون إن السلاح يجب أن يكون بيد الدولة حصرا، ولا يستخدم لتحقيق مكاسب للطائفة وحلفائها.

وكان البطريرك الماروني اللبناني بشارة الراعي قد أطلق في أغسطس الماضي وثيقة بعنوان “لبنان الحياد الناشط”، تدعو إلى “تعزيز مفهوم الدولة اللبنانية من خلال جيش قوي وقضاء مستقل ومؤسسات قادرة على تحقيق الأمن والاستقرار الداخلي والدفاع عن الأرض ضد أي اعتداء، سواء من إسرائيل أو غيرها”.

وفي فبراير الماضي، دعا الراعي إلى عقد مؤتمر دولي، برعاية الأمم المتحدة، لـ”إنقاذ لبنان” واعتماد مبدأ “الحياد”، لكن دعوته قوبلت بانتقادات من أطراف سياسية، على رأسها حزب الله.

ويقول علي الأمين المحلل السياسي المعارض لحزب الله إن ذكرى الانسحاب السوري هي “مناسبة تعكس إصرار الشعب اللبناني على سيادته بدولة ذات سيادة واستقلال، علما أنّ الوجود السوري لم يعد له من مبرّر بعد الانتخابات النيابية الأولى عام 1992، بعد انتهاء الحرب الأهلية عام 1990”.

وبعد الوصاية السورية بدأت السيطرة الإيرانية الواضحة وهذه السيطرة تدفع البلاد إلى المزيد من الانهيار، ومن هنا يرى الأمين أن “الهيمنة والسيطرة الإيرانية على لبنان لا تفتح بابا لإمكانية قيام دولة حقيقية، وبالتالي فإن البلد يدفع أثمانا كثيرة نتيجة السيطرة الإيرانيّة ونتيجة السياسات التي عبّر عنها حزب الله من خلال تدخلاته في دول الإقليم على مستوى المنطقة”.

ومضى شارحا “من المؤكّد أن تورط الحزب في هذه الصراعات الخارجية أدى إلى كوارث لا يستطيع تحمّلها البلد، وهذا يعيدنا إلى التحدي الأول، أي ذكرى الانسحاب السوري، لذا هذا التحدي يطرح نفسه اليوم، فلبنان لا يستطيع أن يقوم في ظل هذه السيطرة الإيرانية”.

وتحت غطاء الجامعة العربية، دخل الجيش السوري إلى لبنان في ديسمبر 1976، بينما كانت نار الحرب الأهلية مستعرة منذ عام، والهدف السوري المعلن وقتها هو وضع حد للحرب، وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبلها. وصدر قرار عن مجلس الأمن الدولي برقم 1559، طالب بخروج الجيش السوري من لبنان، وبالفعل اكتمل الانسحاب في 26 أبريل 2005.

لكن طوني بولس، وهو كاتب ومحلل سياسي، رأى أن “هذا الانسحاب لم يتم كما يجب أن يكون، بحيث نشأ احتلال من نوع آخر، وهو هيمنة حزب الله تدريجيا لصالح النفوذ الإيراني، وبالتالي استبدل الاحتلال السوري باحتلال حزب الله ذات الهوية الإيرانية”.

ولدى بولس قناعة بأن لبنان لم يستقل طوال هذه المدة، والشعب اللبناني وقع بعد خروج النظام السوري فريسة النظام الإيراني، ولبنان يدفع أثمان هذا الأمر. وقال إن “لبنان لن يستطيع أن يستقلّ إلا إذا سلك نهج الحياد وخرج عن المحاور الإقليمية التي هي دائما في صراع مستمر”.

وتتهم دول خليجية، في مقدمتها السعودية، إيران بامتلاك أجندة توسعية في المنطقة، وبالتدخل في الشؤون الداخليّة لدول عربيّة، بينها لبنان واليمن وسوريا والعراق، وهو ما تنفيه طهران، وتقول إنها تلتزم بعلاقات حسن الجوار.

وهناك أبواق تدافع عن هذا الرأي مثل قاسم قصير الكاتب والمحلل السياسي المقرّب من حزب الله الذي يرى أن إيران لا تلعب دورا في لبنان كما هي بقيّة الدول، سواء العربيّة أو الأجنبيّة، والدور الإيراني ممكن أن يكون أقوى من غيره بسبب حزب الله.

وذهب إلى التأكيد بأن المسؤولين اللبنانيين قد يطلبون مساعدة من سوريا مجددا لحلّ الأزمات التي تحلّ على البلاد، ونظام الأسد بمقدوره ذلك، وقال إن “الزعماء في لبنان قد يتجهون مجددا، وبدعم دولي وخاصة روسي، إلى طلب تدخل سوري في لبنان، وليس من الضروري أن يكون عسكريا مباشرا لمعالجة أزمات لبنان، ولاسيّما هناك تخوف من حصول اضطرابات أمنيّة في المرحلة المقبلة بسبب الأزمات المالية والاقتصادية”، والتي يرى فيها مساعدة وليس احتلالا للبنان.

ومهما كانت الدوافع من وراء اغتيال الحريري فإنه قد نجح في زيادة الضغط على دمشق، وأدّى إلى التقاء بين الفاعلين الرئيسيين وأهدافهم المتناقضة، الولايات المتحدة أعطت الأولوية لوقف الدعم السوري للجماعات الفلسطينية المسلحة وحزب الله والتمرد في العراق، أما فرنسا فقد كانت أكثر المهتمين بالوضع اللبناني والتي عقدت الآمال على بشار الأسد، والنشطاء اللبنانيين الذين لم يتفقوا على الكثير من المواضيع في السابق.