//Put this in the section //Vbout Automation

البابا “القدّيس” للرئيس الشهيد: أَأْتمنك على مسيحيّي لبنان

محمد السماك – أساس ميديا

عندما دعا البابا الراحل يوحنا بولس الثاني (كرّسه الفاتيكان قدّيساً لاحقاً) إلى عقد السينودس (كلمة لاتينية تعني “العمل والسير معاً”) من أجل لبنان، سجّل بذلك سابقتين أثارتا وقتذاك (1993) اهتماماً كنسيّاً عالمياً واسعاً:




السابقة الأولى: هي تنظيم سينودس من أجل دولة. ذلك أنّ السينودس يُنظَّم عادة من أجل قارّة، أو من أجل قضايا لاهوتية ساخنة وطارئة. فكان أوّل سينودس في تاريخ الفاتيكان يُعقد من أجل دولة. وكان لبنان هو تلك الدولة.

السابقة الثانية: هي دعوة المرجعيات الدينية الإسلامية (السنّة والشيعة والدروز) إلى السينودس. وذهب البابا إلى دعوتهم كمشاركين وليس كمراقبين. ولم يسبق في تاريخ الفاتيكان أن حدث شيء من هذا أو شبيه له.

تعكس السابقتان، اللتان تكرّستا في زيارة البابا للبنان لإعلان وثيقة الإرشاد الرسولي (خلاصة أعمال السينودس)، موقع لبنان الخاصّ لدى الكرسي الرسولي. فالبابا بنديكتوس السادس عشر عندما دعا إلى السينودس حول الشرق الأوسط (2010) خصّ لبنان أيضاً بأمرين على درجة كبيرة من الأهمية:

الأمر الأول: هو دعوة مسلم لبنانيّ إلى أن يتحدّث إلى السينودس، الذي ضمّ كرادلة الشرق وأساقفته، إلى جانب القيادات الكنسية الكاثوليكية في الفاتيكان والعالم (وكان هذا المسلم هو محمد السمّاك، كاتب هذه السطور).

الأمر الثاني: هو اختيار البابا العاصمة اللبنانية بيروت، تحديداً، لإعلان وثيقة الإرشاد الرسولي حول الشرق الأوسط.

وقبل هذين الحدثين التاريخيَّيْن تعمّد البابا الراحل بولس السادس، وهو في طريقه إلى الحجّ في القدس، أن يتوقّف في مطار بيروت، علماً بأنّ بين روما وتل أبيب رحلات مباشرة. وكان توقّفه رسالة مقصودة تعني أنّ لبنان هو مدخل الفاتيكان إلى الشرق الأوسط.

يكرّس هذا الأمر مضامين الإرشادين الرسوليَّيْن حول لبنان وحول الشرق الأوسط، على النحو الذي تحدّث عنه البابا بنديكتوس السادس عشر بوضوح وصراحة أثناء استقباله المرجعيّات الدينية اللبنانية في القصر الجمهوري. يومئذٍ أكّد أمرين:

1- الحرّيّة الدينية التي وصفها بـ”تاج الحرّيّات”.

2- المواطنة التي وصفها بـ”نقيض التسامح”. المواطنة من حيث هي حقوق شرعية متساوية، والتسامح من حيث هو مشاعر قابلة للتبدّل والتغيير وفقاً لتغيّر الظروف والأحوال.

حتّى البابا الحالي فرنسيس كان يودّ، وهو في طريقه إلى العراق لزيارة مسقط رأس النبي إبراهيم عليه السلام، أن يتوقّف في بيروت، إلا أنّ الظروف الأمنية اللبنانية لم تكن مشجّعة، بل كانت من السوء بحيث أنّ منظّمي رحلة البابا صرفوا النظر عنها.. وبألم.

إلا أنّ البابا، قبل سفره إلى العراق وبعد عودته منه، كان يتعمّد الحديث عن لبنان وعن محبّته والاهتمام به والدعوة إلى مساعدته في العديد من المناسبات الدينية والخطب العامّة.

فما هو السرّ في هذا الاهتمام الفاتيكاني بلبنان؟

في وثيقة الإرشاد الرسولي حول لبنان نصٌّ يدعو مسيحيّي لبنان إلى مواصلة دورهم الثقافي وتعزيزه في العالم العربي، الذي يشكّلون جزءاً منه. ومن هنا، نفهم اليوم عدم رضى الفاتيكان عن “دعوات” الانكفاء عن العالم العربي وما يرافقها من مبادرات. فالفاتيكان معنيّ بأن تسود ثقافة العيش المشترك بين أصحاب الأديان والعقائد المختلفة. وكان – وما يزال – يرى في لبنان نموذجاً ومثالاً. ونظراً إلى موقع لبنان في العالم العربي، ونظراً إلى موقع العالم العربي في العالم الإسلامي، فإنّ نجاح الصيغة اللبنانية يشعّ على مساحة واسعة من العالم.

بعد السينودس حول لبنان، تلقّى الرئيس الشهيد رفيق الحريري دعوة لزيارة الفاتيكان من البابا يوحنا بولس الثاني، وكنتُ أحد أعضاء الوفد المرافق للرئيس. كان البابا على علم بتفاصيل الدور، الذي قام به الرئيس الحريري لإقناع القيادات الروحية الإسلامية بضرورة تلبية دعوة البابا وإرسال ممثّلين عنها إلى السينودس. وكانت هذه القيادات قد توافقت على الاعتذار عن المشاركة مع توجيه رسالة شكر للبابا والتمنّي للمؤتمر بالنجاح. غير أنّ مساعي الرئيس الراحل أثمرت بإقناعها بأهمّيّة إرسال ممثّلين عنها لأنّ السينودس لن يكون مجرّد لقاء دينيّ مسيحيّ، ولكنّه سيكون، إضافة إلى ذلك، لقاء من أجل تكريس وتعزيز الحلّ الوطني (دعم الطائف). وهكذا كان. أمّا الممثّلون الثلاثة فكانوا: عباس الحلبي عن مشيخة العقل، وسعود المولى عن المجلس الشيعي، وكاتب هذه السطور عن دار الفتوى.

بهذه الخلفيّة، ربّما، توجّه البابا يوحنا بولس الثاني إلى الرئيس الحريري بعبارة لفتت انتباهنا، قال له فيها: “أنا أَأْتمنك على مسيحيّي لبنان”.

يومئذ ردّ الرئيس الحريري: “إنّهم أهلي وأخواني. وكلّنا شعب واحد”.

بعد البابا يوحنا بولس الثاني، توالى على سدّة الكرسي الرسولي في الفاتيكان البابا بنديكتوس السادس عشر والبابا فرنسيس، اللذان أبديا الاهتمام نفسه بلبنان، والتمسّك به دولةَ رسالةٍ طالما تغنّى بها البابوات الثلاثة. لكنّ الفاتيكان اليوم معنيّ أكثر من أيّ وقت مضى بإقناع الرسول بأن يرتفع إلى مستوى الرسالة لإنقاذها من وحول تجاذباته القصيرة النظر.