//Put this in the section //Vbout Automation

الفرزلي: لستُ في وارد التراجع عن دعوتي أمام مَن يحاول تكرار التجارب والخيارات المخيّبة

ابراهيم بيرم – النهار

لا يبدو نائب رئيس مجلس النواب #ايلي الفرزلي في وارد التراجع عن “المواجهة” الثقيلة الوطأة التي قرر عن سابق إصرار وقراءة معمقة، المضي بها لحظة دعا بصوت عال قبل يومين، وفي ذروة الاشتباك الحاصل حول القضاء ودوره، الجيش الى ان يبادر الى القبض حالاً على زمام السلطة والانطلاق في رحلة ضبط امور البلاد وتسيير عجلتها.




لم تكن تلك الشخصية المخضرمة التي حجزت لنفسها مقعداً في غمرة التحولات التي عصفت بالبلاد منذ نحو اربعة عقود، من النوع الذي يطلق المواقف والكلام جزافا او على عواهنه، اي بلا احاطة وتبصّر. وعليه كان الفرزلي يدرك سلفا حجم الاعباء المترتبة على دعوته تلك، ويعي استطرادا دويّ الاصداء المتأتية من الانزياح الى دائرة الذين مضوا الى مواجهة مع نهج العهد.

الى الأمس القريب، كان يمكن البعض ان “يغفر” للرجل تمايزه، بل ان يجد مبررات لكل مواقفه المثيرة للجدل والمنطوية على فراق بينه وبين العهد وحاضنته السياسية (أي “التيار الوطني الحر”)، وهو الآتي بعد طول غياب الى الندوة النيابية محمولاً على اصواتهم وعلى دعم من الرئيس العماد ميشال عون بدَّد اعتراضاً من رئاسة التيار، الى ان اطلق اخيرا صرخته المدوية وجوهرها: فليرحل سيد العهد وليحكم الجيش.

كان الفرزلي يجد لنفسه دوما شبكة امان سياسية تمنحه “الحصانة” في داخل “فريقه” انطلاقا من تجربته السياسية التي شاء ألّا تضيع، فسارع الى صوغها في كتابه “اجمل التاريخ ما كان غداً”، وكان يعثر على اسباب تخفيفية حتى عندما ذهب الى اصرار وعناد على التمسك بسعد الحريري رئيسا للحكومة، معتبرا اياه صاحب حق شرعي بهذا المقام، ولا يحق لأحد التفكير بمنافسته او مزاحمته، اذ كانت له أمامه تجارب تسوّغ وتبرر مواقف من هذا النوع، وأبرزها يتجسد في “التفاهم الرئاسي” الذي لولاه لمَا انفتحت ابواب قصر بعبدا امام عون.

وعليه كان للفرزلي مساحة من الاستقلالية السياسية اتاحت له ان يتحرك فيها، وهو البارع في نسج خيوط المعادلات التسووية المقبولة، لذا كان السؤال: ما الذي دفعه الى ان يختار ركوب هذا المركب الخشن ليجد نفسه دفعة واحدة وجهاً لوجه امام حالة العونية السياسية وهي في ذروة استنفارها وتوترها تواجه بشكل دائري وتخوض “صراع وجود” مع غالبية المكونات السياسية؟

يقول الفرزلي لـ”النهار” في معرض الدفاع والتفسير: “إن دعوتي المثيرة للجدل لم تكن فلتة لسان، بل أتت بلسان صريح فصيح لا يحتمل لبساً أو تأويلاً. ولا يظنن احد انني اطلقتها تحت تأثيرات اللحظة ومشهدها المحتدم خصوصا امام قصر العدل، بل عن سابق تبصّر ووعي”. لم اقصد، يستطرد الفرزلي، “ان تكون دعوتي مدخلاً لفتح خطوط تماس سياسية مع “الحالة السياسية العونية” التي اعرفها وتعرفني بالعمق، بل أردت ان تكون صرختي صدمة للجميع تهز الضمائر وتحرك الوعي”.

ويبدي نائب رئيس المجلس حزماً وهو يعلن تبرّؤه قطعياً من “شبهة” الارتباط او الاتساق بما راج عن دعوات خارجية، غربية المنشأ، يسعى بعضُ من الداخل الى ان يسوّقها تدريجاً لتمسي امرا واقعا، عنوانها العريض ان الجيش هو الحل، وانه بات ضروريا تمهيد السبل امام قائد هذا الجيش لكي يلج قصر بعبدا على غرار تجارب اربعة قادة للجيش سابقين دخلوا تباعا الى هذا القصر منذ عام 1958. ويقول: “أنا لا أسير الى هذا الامر بقدم ولا اخطّ فيه بقلم، وأنا ما اطلقت هذه الدعوة الا بعد عملية تبصّر بالاوضاع وما تنطوي عليه مسألة بمثل تمرد قاضية على مرؤوسيها على النحو الذي تمردت به القاضية غادة عون. ووجدت في المشهد برمته عملية تصفية لهيكل القضاء كجزء من عملية ممنهجة لتصفية الدولة ككل. وأنا لديّ ما سأقوله لاحقا في هذا الخصوص”.

وفي معرض المزيد من الايضاح، يضيف: “كان امامنا جميعا قبل ايام مشهدان ينضحان بالعِبر وينطويان على كثير من الأبعاد المقلقة. الاول مشهد وزيرة العدل وهي تتحدث عما سمّته دعوتها الى “انتفاضة في القضاء”. والثاني مشهد القاضية عون وهي تقتحم شركة للصيرفة وشحن الاموال وتصادر الحواسيب، مستعينة بميليشيات محلية”.

ويستنتج الفرزلي “ان كلا الحدثين هما مدعاة لاثارة موجة شكوك ومخاوف، وأنا من موقعي البرلماني سأسعى الى ما من شأنه تكريس دور ما للمجلس النيابي. واعتقد ان عملية “الاغارة” على مقر شركة الصيرفة يتعين ان تكون اصلاً جزءاً من مسار قضائي – امني يطاول كل شركات هذا القطاع ومَن يرتبط به”.
وعليه يقول الفرزلي: “عندما تبلغ الامور في البلاد هذا الدرك من الفوضى والاهتراء والتباين والعجز، يحق لنا ان نفصح عمن نراه حلاً وعلاجاً لوقف التداعي والانهيار. ومن هذه القناعة بالذات أتت دعوتي الى اتاحة الفرصة حالاً للمؤسسة العسكرية لكي تقبض على زمام الأوضاع”.

ويؤكد انه لا يستبطن بدعوته تلك خلفية تكرار تجارب “الانقلابات العسكرية” التي عرفها بعض العالم العربي خلال عقدَي الخمسينات والستينات “بل انطلاقا من مساحة مشتركة عند الجميع”.

ويسهب في التفصيل: “ما سمعتُ جهة او مكوّناً إلا وهو يشهد لجيشنا بانه فوق الشبهات، ويُدعى الى لعب ادوارعند كل استعصاء وتعثّر ومراوحة في الازمات وعجزٍ عن اجتراح الحلول. لذا اسأل: لماذا يستغرب البعض ويستنكر دعوة اطلقتها وفحواها ان تكون هناك مرحلة استراحة للجميع يتولى فيها الجيش ادارة الوضع في تجربة سياسية جديدة اكثر أماناً ومدعاة للثقة؟”.

ويتوجه الى السياسيين سائلاً اياهم: “سابقاً كنتم تلجأون الى الاستعانة بالجيش في الملمّات والمراحل الصعبة، فلماذا لا تطلبون منه الآن اداء هذه المهمة؟”.
ويستدرك: “أنا في دعوتي وصرختي تلك لا اريد اشتباكا مع العهد او رئيس التيار الوطني جبران باسيل، انما انطلق من نظرة اعمق للاوضاع وسبل المعالجة الناجعة”.

ويختم الفرزلي: “أنا لست في وارد التراجع، وسأمضي قدماً في الدعوة الى لجنة تحقيق نيابية لردع مَن يبدو ساعياً الى تكرار تجارب ورهانات سابقة مخيّبة”.