//Put this in the section //Vbout Automation

تجهُّم وجه لبنان الماليّ يُنذر بالأسوأ أمام مرآة المراوحة

مجد بو مجاهد – النهار

ليس ما هو أكثر تعبيراً عن ثقل الأزمة غير المسبوقة التي يعيشها لبنان على الصّعد السياسية والمؤسّساتية والاقتصادية، سوى طول مدّتها الزمنيّة المفتوحة، واستحكام سيطرة واقع مأسوي لا يشبه هويّة البلاد التاريخيّة. ولعلّ تصوير حجم الأزمة بمقياس الزمن، يعيد الصفحات إلى 2 آب 2019، يوم افتتاح البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي منتدى بكركي الاجتماعي الاقتصادي، فدقّ ناقوس الخطر الذي استبق عاصفة غضب انتفاضة الشعب اللبناني في تشرين الأوّل 2019، محذّراً من أنّ الهويّة اللبنانيّة مهدّدة بسبب الواقع السياسي المتأزم الذي ينتهك الدستور والميثاق، ويُدخل أعرافاً وممارسات تبدّل شيئاً فشيئاً وجه لبنان السياسي والاجتماعي. وأشار إلى هوية لبنان المهدّدة بسبب الأزمة الاقتصادية والمعيشية الخانقة التي تدفع اللبنانيين، ولاسيما المسيحيين منهم، للهجرة. طُويت صفحة سنة 2019 على تفاقم في الأوضاع الاقتصادية والسياسية، التي وصلت حدّ الانهيار الذي يشهده لبنان، رغم مرور سنتين على تكرار دويّ صافرات الإنذار ووصفة الحلّ التي باتت محفوظة عن ظهر قلب. فما لم تتألف حكومة اختصاصيين غير حزبيين، لا هيمنة فيها لأيّ طرف، فعبث التحدّث عن إنقاذ، وإصلاح، ومكافحة فساد، وتدقيق جنائيّ، واستراتيجية دفاعية، ومصالحة وطنية؛ وفق ما قاله البطريرك الراعي في قدّاس الأحد 18 نيسان 2021.




الهواجس من ضرب هويّة البلاد، لا ترتسم من فراغ. تشير المعطيات الرقمية في لبنان إلى تراجع حادّ للماكينة الاقتصادية. وتبدو الصورة أكثر تشاؤماً وتلازماً مع استياء تامّ لمؤسسات اقتصادية ومالية عالمية، من طريقة تعامل الإدارة اللبنانية مع الأزمة، بحسب ما يتلقّفه رجال مال وأعمال لبنانيون من أصداء خارجية. حتى إنّ الحديث عن الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة والصورة المالية السيئة التي يشهدها البلد، باتت تطغى على حديث أوساط سياسية عربيّة ودوليّة، تقدّم،بدورها، النصح وتدقّ جرس الإنذار،وتؤكّد ضرورة تشكيل حكومة تباشر في الإصلاحات.

إلى ذلك، تشير معطيات مصادر مواكبة لعمل لجنة الرقابة على المصارف لـ”النهار”، إلى أنّ انخفاض حجم الأعمال في لبنان بات يزيد عن 40% مع تدني كميات الاستيراد وتراجع عملية فتح الاعتمادات، ما أدّى تلقائيّاً إلى خفض التعامل مع المصارف المراسلة. وازدادت الأزمة لجهة الفارق بين نسبة التحويلات إلى الخارج، مقارنة بإرسال الأموال إلى الداخل، ما يؤشّر إلى حجم التداول. ولا يمكن إغفال الدور السلبي لجائحةكورونا، التي أضعفت حجم أعمال المصارف اللبنانية والتعاملات مع الخارج. وكانت بعض المصارف اللبنانية الصغيرة تشهد صعوبات في التعامل مع مصارف مراسلة في الخارج قبل بدء الأزمة في لبنان، باعتبار أنّ حجم التعامل الصغير لا يساهم في تحقيق أرباح بقدر ما يرتّب تكاليف عالية. لكن، يبقى ما يشيعه البعض في لبنان عن اتجاه للمصارف المراسلة نحو إيقاف التعامل نهائياً مع المصارف اللبنانية مجرّد أخبار غير دقيقة، باعتبار أنّ المصارف الكبيرة بشكل خاصّ تحافظ على تعاملها مع المصارف المراسلة. ويأتي ذلك، بينما تُقفل بعض البنوك المراسلة في آسيا أو في الشرق الأوسط بشكل عام، من دون أن يعني ذلك أنّها تتقصّد عدم تعاملها مع لبنان بشكل خاص. وتؤكد المعطيات الآنفة الذكر مجتمعة، أنّه لا يمكن الحديث علميّاً عن توقّف مرتقب لتعامل البنوك المراسلة مع المصارف اللبنانية، وهي مسألة يستبعدها المطّلعون.

لكن، ما هي المؤشرات التي تدفع إلى ازدياد ملامح القلق والخوف على هوية لبنان وجيناته المالية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية؟ ينطلق الوزير السابق آلان حكيم في مقاربته من “مشهدية إعلان حملات لجمع الحليب للأطفال في لبنان، وهي “آخرة” تشبه الوضع القائم في الصومال. الدورة الاقتصادية معطّلة وسط أرقام غير مسبوقة مع ازدياد الأسعار بنسبة 350%، وعجز في ميزان المدفوعات بقيمة مرتفعة جدّاً تبلغ 12 مليار دولار، ومعدّل بطالة يتجاوز الـ40%، فيما بات أكثر من 60% من اللبنانيين تحت خطّ الفقر. كلّها أرقام تدلّ على نظرة تشاؤمية على الصعيد الاقتصادي والمالي للدولة اللبنانية”.

ويقول حكيم لـ”النهار”، إنّ “منهجيّة التدمير المستمرّة لجميع القطاعات اللبنانية، بما فيها القطاعات الحيويّة جميعها، تنذر بالأسوأ فيمايوضع كلّ اللاعبين في القطاعات متواجهين. هناك فشل تامّ على صعيد جميع القطاعات المكوّنة للاقتصاد اللبناني، وهذا يدلّ على فشل إداري في غياب إدراك كيفية إدارة القطاعات”، مشيراً إلى أنّ “النظرة التشاؤمية للمرحلة المقبلة واضحة بشأناتجاه الأوضاع إلى تفاقم أكبر، فيما الخطوات العمليّة المطلوب اتخاذها موجودة؛ لكن لا أحد يريد تطبيقها على صعيد اقتصادي، من خلال المساعدات لكلّ ما تسمّى شركات صغيرة ومتوسطة وإعانة الاستهلاك المحلّي ومراقبة الأسعار وتشجيع بعض القطاعات الاستهلاكية، وهي تقنيات بسيطة تعيد القليل من الثقة للمواطن والقطاعات. ويبدو أنّ الموضوع متروك كليّاً للفوضى التامّة”.

ولا يغفل حكيم البعد السياسي الذي يزيد المخاوف على هوية لبنان،المرتبط بـ”وجود دويلة داخل الدولة في ظلّ اقتصاد مرادف، تحت وصاية حزب الله ومحيطه وبيئته. انهيار لبنان لا يعني حزب الله في ظلّ اللامبالاة بما سيحصل، واتخاذه دور المتفرّج على كباش القوى السياسيّة، فيما يعدّ الحزب، المكوّن الوحيد الذي يمتلك كلمة السرّ ليقول “لا” لحلفائه”.