//Put this in the section //Vbout Automation

“ناهض الأسدين في نصف قرن”.. حكاية السوري ميشيل كيلو بلسان من رافقه

تُوفي المعارض والمفكر السوري، ميشيل كيلو. وبعد هذا الخبر لم يعد هناك من شخص يشبهه ويستمع لهموم السوريين المعارضين ويسألهم عن أحوالهم، أو حتى يبث الطمأنينة والأمل بأروحهم، ولو كان ذلك “عن بعد”.

هو سلوكٌ وحال قلما يرتبط بسياسي بارز تصدر مشهد الملف السوري، سواء ما قبل أحداث الثورة السورية في عام 2011 أو بعدها، وصولا إلى الحقبة الحالية.




اعتاد كيلو في السنوات العشر الماضية على مشاركة السوريين في أحاديثهم، وبشكل أساسي عبر “تطبيق واتساب”، لتنشط تسجيلاته الصوتية على نطاق واسع، منها الموجه لملايين السوريين في شمال غرب البلاد، وأخرى استشرف فيها مستقبل سوريا، مؤكدا على أمل إسقاط النظام الاستبدادي، ولو طال الأمر لسنوات.

قبل وفاته بأسبوع كان لافتا تلك الوصية التي كتبها للشعب السوري بعنوان: “كي لا تبقوا ضائعين في بحر الظلمات”، وفي كل كلمة منها كان يدرك كيلو أن ما عانى منه السوريون خلال عقود حكم الأسد الأب والابن لن يبقى دون نهاية، داعيا إلى “الوحدة من أجل الخلاص” “فالحرية ثمنها كبير”.

ليس كغيره من باقي الشخصيات السياسية السورية، التي عرفها السوريون في العقد المنصرم، فقد كان لكيلو السياسي والمفكر في آن معا حيزا فريدا من نوعه، لاسيما أنه يحسب على فئة “المحاربين القدامى لنظام الأسد”.

إذ لم يكن نشاطه السياسي مقتصرا على حقبة الأسد الابن، بل تعود جذوره إلى عهد حافظ الأسد الأب.

“نصف قرن ضد نظام الأسد”

81 عاما قضى ميشيل كيلو أكثر من نصفها في معارضة نظام الأسد ورفض سياسته الاستبدادية في سوريا، الأمر الذي جعله أمام خطر القمع والاعتقال. بداية في سبعينيات القرن الماضي، وحتى في الثمانينات والتسعينيات، ومن ثم بعد وفاة حافظ الأسد وتسلم ابنه، وما تبع ذلك من “ربيع دمشق” و”إعلان دمشق”.

ومنذ تلك الفترة كان لكيلو مساهمات سياسية شتّى، وإلى جانبها سلك مسار آخر، وقدم من خلاله مساهمات فكرية وأدبية وروائية، بالإضافة إلى مساهمات في الترجمة، حتى أنه ترجم كتبا بارزة، من بينها “نظرية الدولة” و”الوعي السياسي والاجتماعي”.

وُلد كيلو من عائلة مسيحية في مدينة اللاذقية عام 1940، وعاش طفولته في رعاية والده الذي عرف عنه سعة ثقافته.

وتعرض للاعتقال في سبعينيات القرن الماضي لعدة أشهر ثم سافر إلى فرنسا، ثم عاد إلى دمشق واعتقله النظام السوري مرة ثانية عام 2006، بتهمة “نشر أخبار كاذبة وإضعاف الشعور القومي”، وأُفرج عنه عام 2009.

بعد انطلاقة الثورة السورية كان من أوائل المعارضين القدماء المناهضين لنظام الأسد، ليشارك في العمل على توحيد أطياف المعارضة السورية “حديثة العهد” مع مجموعة من أصدقائه السابقين والمثقفين.

وحين فشلت جهودهم وتأسست “هيئة التنسيق الوطنية”، لم ينتسب إليها، وشارك عام 2012 في “تأسيس المنبر الديمقراطي”، وفي نهاية شهر سبتمبر 2013 أسهم في تأسيس “اتحاد الديمقراطيين السوريين”.

كما أنه كان عضوا بارزا في “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية” قبل أن يغادره عام 2016، نتيجة خلافات.

“ظل يحلم بسوريا مستقلة”

بعد انسحابه من “الائتلاف السوري” تفرغ كيلو للكتابة في صحف عربية، حيث أقام في منفاه بالعاصمة الفرنسية باريس، فضلا عن مشاركات تلفزيونية له على محطات عربية أيضا وأخرى أجنبية، قدم فيها تحليلات سياسية عما وصلت إليه سوريا بعد عشر سنوات من الحرب.

وفي كل إطلالة لكيلو لم يقطع تعبيره عن الأمل في قرب الخلاص من النظام الاستبدادي في البلاد، في موقف لم يغيره، على الرغم من العقود “القاسية” التي عايشها، والانكسارات المتتالية التي تعرض لها في بداية شبابه وحتى وصوله لعمر الثمانين.

وعقب ذيع خبر وفاته تتالت نعوى السوريين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وأجمعوا في كتاباتهم على أن “كيلو هو رجل الكلمة الصادقة”، لاسيما أنه ثبت على رسالته في السجون والشراد الطويل، وظل يحلم بسوريا “حرة مستقلة حتى لقى الله”.

وقد يكون هذا الإجماع على نعيه، حسب أصدقاء له تحدث إليهم موقع “الحرة” كونه كان شخصية مقربة من الشارع في سوريا، على عكس باقي السياسيين، الذين “يجلسون في القصور”، بمعنى اصطلاحي.

أيضا كان كيلو قد امتاز من بين أقرانه السياسيين بأنه حاضر في المشهد على الدوام، ولا يستطيع أحد أن يمر على تاريخ الحركة السياسية في سوريا منذ الستينيات، من دون أن تستوقفه تجربة هذا الرجل.

“لا غنى عنه لأي مشروع وطني”

المعارض السياسي السوري، سمير نشار تعود معرفته بميشيل كيلو منذ بداية “ربيع دمشق” عام 2011، في أثناء تشكيل “لجان إحياء المجتمع المدني”.

 يقول نشار في تصريحات لموقع “الحرة”: “الراحل الأستاذ ميشيل كيلو قامة وطنية بارزة في الوسط العمل السياسي المعارض، منذ ما يقارب الخميس عاما”.

ويتابع: “اليوم تخسر المعارضة السورية أحد أبرز أعمدتها المعروفة على الصعيد الوطني والإقليمي، وصاحب المبادرات الوطنية الخلاقة والأفكار الرائدة في إيجاد الحلول السياسية من المآزق التي تعرضت لها المعارضة السورية خاصة بالداخل السوري قبل الثورة”.

كان لكيلو دورا قياديا في توجيه “بوصلة العمل الوطني”.

واعتبر نشار أن الراحل “لا غنى عنه لأي مشروع سياسي وطني معارض لنظام الأسد الأب والأسد الابن، حيث كان هناك هامش ضيق من حرية الحراك السياسي للعمل المعارض، منذ وراثة بشار الأسد للنظام والسلطة في سورية منتصف عام 2000 “.

ما الذي تميز به؟

عن هذا السؤال أجاب الصديق القديم لكيلو المعارض السوري، جورج صبرا.

ويقول صبرا الذي كان آخر لقاء بينهما في عام 2019: “المرحوم كان نموذج للمثقف العضوي ابن الشعب الحقيقي وابن الطبقات الاجتماعية المكافحة من أجل حياة أفضل، وابن الثقافة الديمقراطية التي تسعى من أجل بناء وطن حقيقي يتسع لجميع أبنائه، من مختلف المكونات القومية والدينية والطائفية”.

ويشير صبرا في تصريحات لموقع “الحرة”: “هذا النوع من الثقافة جعل من ميشيل كيلو يسبح في بحرين، الأول في بحر الثقافة السياسية والاجتماعية والأكاديمية ويكتب فيها ويؤلف، أما الثاني فهو بحر السياسة اليومية، التي تسعى من أجل التغير في حياة البلاد لمصلحة الطبقات الاجتماعية، وكذلك من أجل العقل الوطني”.

بدوره يوضح المعارض السياسي، سمير نشار أن الراحل ميشيل كيلو تمايز عن أقرانه من المعارضين بـ”الكاريزما الشخصية والحضور اللافت”.

ويتابع: “كما لا يمكن لي عدم ذكر مبادراته السياسية الجريئة والأفكار التي أنتجت حالات سياسية معارضة حاولت تعبئة الفراغ، نتيجة التصحر السياسي، الذي أصاب الحياة السياسية والعمل السياسي منذ انقلاب عام 1970 الذي أوصل حافظ الأسد للسلطة”.

خارج المشهد بعد “الخلل البنيوي”

بالعودة إلى المحطة الأخيرة التي كانت لكيلو ضمن أجسام المعارضة، وهي “الائتلاف الوطني السوري”، فلم تعرف الأسباب التي دفعته إلى الانسحاب منه حتى الآن، في ظل حديث متكرر عن خلافات داخلية، وباتت مؤخرا روتينا شبه اعتيادي.

في المقابل يشير المعارض، سمير نشار إلى أن ابتعاد كيلو عن مؤسسات المعارضة السياسية لعدة سنوات يعود لـ”نتيجة اقتناعه أن هناك خللا بنيويا في تأسيس تلك الأجسام”.

ويوضح نشار: “نشأ الخلل عن وصاية الدول الإقليمية على تلك الأجسام، وفقدانها للقرار الوطني السوري، الذي يعبر عن مصلحة السوريين والثورة السورية أولا، كما فعل الكثيرون من المعارضين المخضرمين الذين غادرو تلك الأجسام، بعد أن شعروا أن وجودهم ضمنها لم يعد مفيدا في تقويم اعوجاجها، وإصلاحها لخدمة مجتمع قوى المعارضة والثورة”.
وتحدث نشار المقيم في إسطنبول عن أبرز مساهمات الراحل، بينها أنه كان وراء “مبادرة لجان إحياء المجتمع” خلال مرحلة “ربيع دمشق”.

وأيضا هو من ساهم في إنضاج فكرة “إعلان دمشق”، الذي انبثق عنها تحالف قوى وشخصيات وأحزاب وتيارات يسارية وقومية وإسلامية وليبرالية للتغير الوطني الديموقراطي في سوريا.

وإلى جانب ما سبق ساهم كيلو بشكل رئيسي مع عدد من المثقفين اللبنانيين في إنتاج بيان بيروت-دمشق، دمشق – بيروت، الذي أدى لاعتقاله لمدة ثلاث سنوات في سجون الأسد.

“مثقف عضوي سوري”

من كتابات كيلو سلسلة “قصص واقعية من عالم الأشباح.. ذكريات من سجون الأسد”، والتي كشف فيها تفاصيل حياة أليمة عاش السوريون فظاعاتها طوال عقود خمسة في عهد الأسدين.

وله أيضا قرابة أربعين كتابا مترجما عن الألمانية، التي يتقنها، في الفكر والفلسفة والاقتصاد والتاريخ.

يصفه صديقه القديم، جورج صبرا بأنه “المثقف العضوي السوري، الذي ثبت اسمه في إطار الثقافة السورية والأكاديمية، وفي الوقت نفسه في إطار السياسة الوطنية اليومية للسوريين”.

واعتبر صبرا أن “كيلو كان حالة تشكل مصدر غنى للحياة العامة السورية، وكان له الفضل في تأسيس لجان إحياء المجتمع المدني خلال ربيع دمشق وأثناء الحراك الشعبي في تلك المرحلة”.

وعن فقدانه في الفترة الحالية يشير صبرا إلى أن ذلك “خسارة كبيرة لإيقاع العمل الوطني بوجهيه التثقيفي والسياسي، لأن كيلو كان منخرط بفعالية في كل النشاطات التي لها علاقة بالثورة، وممتدة على طول البلاد وعرضها”.

ويتابع: “سنبقى نحن العاملين في الحقل العام نفتقد لقلم ميشيل كيلو أسبوعيا، ولشخصيته الموجودة معنا في اللقاءات والغرف، وفي مشاريع البناء الوطني المستمر والمتعدد الأشكال، كذلك في إطار المشاريع العربية”.