//Put this in the section //Vbout Automation

لبنان اليوم في استعادة لمشهد أواخر 1914

مجد بو مجاهد – النهار

تدفع الأزمة الاقتصاديّة غير المسبوقة التي يشهدها لبنان اليوم، والمتخاوية مع سيطرة سياسيّة مرتبطة بالمحور “الممانع”، مراقبين إلى المقارنة بين الواقع اللبناني الراهن والمرحلة التي شهدتها البلاد مع إعلان جمال باشا حالة الطوارئ وإلغائه استقلال جبل لبنان وشعور اللبنانيين بسيطرة قبضته منذ تشرين الثاني 1914. تقترب صافرات التحذير من الوصول إلى “مجاعة” أكثر من أي وقت في لبنان، مع بروز هذه العبارة في تصريحات سياسيين وكواليس وزراء ومستشارين يؤكّدون في مجالسهم أنّ البلد بات “خالٍ من كلّ شيء”. وقد برزت جليّاً مواقف النائب المستقيل نعمة افرام الأكثر وضوحاً وتحذيراً من الوصول إلى مجاعة، إذ قال منذ قرابة الشهر “إنّني كنت أوّل من تكلّم عن مجاعة قبل 8 أشهر، وها نحن اليوم على مشارفها”.




لعلّ الأقدار بدورها كتبت إلى جانب الأسباب الاقتصادية وتبعيّة لبنان السياسية، الوصول إلى مستوى غير مسبوق من استفحال مظاهر الانهيار. ولا يزال كبار السنّ يذكرون ما روى أجدادهم، وما هو موثّق في المراجع التاريخيّة، عن اجتياح لبنان موجات عدّة من وباء التيفوس الطفحي بين 1915 و1917، ما زاد من فداحة الأوضاع في زمن القحط. ولا يمكن إغفال واقع جائحة “الكورونا” الذي زاد حجم البؤس في لبنان اليوم، والذي ازدادت وطأته في غياب تشكيل حكومة انقاذية تباشر في الاصلاحات، والتي كان من بين مهمّاتها تحضير خطّة لمكافحة الجائحة، بما في ذلك توزيع المواد المساعدة على مكافحة انتشار الوباء وتوسيع أقسام العناية الفائقة، وتحضير لائحة باحتياجات القطاع الصحي من معدّات ومستلزمات وطلب تأمينها.

وإذا كانت شتّى القطاعات توصف اليوم بالمنكوبة في غياب الاصلاح، فإنّ أوجه الشبه بين مرحلتين من الزمن وصلت أيضاً إلى شحّ الوقود، الذي أدّى سنة 1915 إلى قطع الأشجار المثمرة والقضاء على غابات بأكملها وتعرية جبال من الأشجار المعمّرة والنادرة في لبنان. فهل ما ينتظر بلاد الأرز في قابل الايام، أسوأ من المشهد القاتم الحالي؟ يجمع مؤرّخون توقّفت “النهار” عند مقاربتهم، بأنّ لبنان دخل عمليّاً في مرحلة شبيهة بالفترة الممتدة بين نهاية 1914 ومنتصف 1915، وهي تاريخيّاً حقبة بدء سيطرة الضيق المعيشي على متصرفيّة جبل لبنان، والمرحلة التي عُرفت بالتمهيديّة للدخول في واقع المجاعة. وتكمن أوجه الشبه بين المرحلتين في الآتي:

– اتّصفت المرحلة التي سيطرت منذ تشرين الثاني 1914 بواقع نظام احتلال عسكري. لا يغيب عن المشهد الحالي تأكيد اللبنانيين المطالبين بالحريّة والسيادة على المشكلة الكامنة في السلاح غير الشرعي، مع ارتفاع النداءات والمطالبات بحصريّة السلاح وبسط الدولة سيادتها على كامل أراضيها.

– اتّخذت السلطة العثمانية خيارات سياسية وعسكريّة مع بلاد المحور، أتت بالمصائب على الشعوب التي كانت خاضعة لها وحتّمت على المواطنين القاطنين في أرجاء السلطنة نتائج معيشيّة اتّسمت بالضيق الشديد في بعض أرجائها. ويتشابه هذا السرد التاريخيّ مع واقع لبنان السياسيّ التابع في تحالفاته لمحور “الممانعة”، الذي تعاني شعوبه من الجوع والفقر وخراب الدول.

– تتعامل الادارة السياسية مع التجار والمحتكرين بالطريقة نفسها التي تعاملت فيها نهاية 1914، حيث عمدت وقتذاك إلى نشر البيانات وقطع الوعود باتّخاذ إجراءات لازمة لحلّ الأزمة، لكنّها لم تعمد عمليّاً إلى أيّ إجراء على الأرض. ويتشابه الماضي مع الواقع الحاضر لجهة العجز عن حلول جذرية أمام احتكار التجار.

– يعيد التاريخ نفسه لجهة تقنين المواد الأساسية عن اللبنانيين لاعتبارات متعلّقة بدعم محور “الممانعة” السياسي الإقليمي المسيطر في لبنان. صودرت السلع الأساسيّة والدواب والمواشي وقلّص إدخال القمح إلى جبل لبنان قبل قرن، على أساس أنّ الجيش العثمانيّ يحتاج إليها في معاركه. وساهم هذا الواقع في مضاعفة حدّة الضيق المعيشي، ما يشبه واقع التهريب المستفحل دعماً لدول منتمية إلى فريق “الممانعة” تحت عناوين معركة المشروع السياسي الواحد.

– أعلن جمال باشا إنشاء مكاتب لتوزيع القمح وتأمين مساعدات للمواطنين رافضاً الحديث عن جوع أو مجاعة، لكن عمل المكاتب كان اسميّاً واقتصرت المساعدات على عدد من الموالين للسلطنة في ظلّ سوء إدارة للمسألة المعيشيّة. وتتلاقى هذه الأحداث التي جرت قبل قرن مع الواقع المسيطر في لبنان اليوم، مع توزيع الاعاشات على المحازبين ورفض الحديث عن الجوع في وقت بات أكثر من 60% من الشعب اللبناني فقراء.

– تعرّض البطريرك الياس الحويّك للمضايقات وأطلقت الاتهامات بحقّه وقتذاك، كما تطلق الحملات التخوينية اليوم بحقّ البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، بعد إطلاقه مبادرة الحياد الناشط ودعوته لعقد مؤتمر دوليّ من أجل لبنان.

– سياسة الاخضاع والتجويع التي امتهنها جمال باشا بحقّ أهالي جبل لبنان بهدف الاستسلام والاضعاف ومنع أيّ معاونة من قبلهم للحلفاء، تظهر حالياً مع منع تشكيل حكومة إصلاحيّة – مستقلّة تنال ثقة المجتمع الدولي وتباشر في المشوار الاصلاحيّ، والترويج لصيغة الحكومة السياسية.

– أقيمت المحاكم العرفيّة وتكثّفت الملاحقات والاتهامات بحقّ المناهضين للسلطنة والصحافيين في مرحلة الحرب العالمية الأولى، ما يتشابه مع الواقع الحالي لجهة الاستدعاءات المكثّفة بحقّ الناشطين والتضييق عليهم والمحاولات المستمرّة لتطويق وسائل الإعلام.

هل يستطيع لبنان تدارك الأسوأ والشروع في الاصلاح واستعادة السيادة؟