//Put this in the section //Vbout Automation

الدينامية المصرية في لبنان والمعركة الأخيرة للجنرال

سابين عويس – النهار

لم ينتظر رئيس الجمهورية مغادرة وزير خارجية مصر سامح شكري ليتوجه الى اللبنانيين بكلمة اعتقد كثيرون انها ستحمل جديداً في الشأن الحكومي الذي كان مدار محادثات رئيس الدبلوماسية المصرية في بيروت. لكن المفاجأة كانت باشاحة الرئيس النظر كلياً عن الملف الحكومي، مركزاً كلمته على التدقيق الجنائي، الذي جعل منه اولوية الاولويات والمدخل الى الحلول السحرية للحصول على المساعدات الدولية والعودة الى كنف الاسرة العربية والدولية.




لم تنجح الكلمة الرئاسية في تحقيق هدفها في إشاحة النظر عن الرسائل الشديدة اللهجة التي حملها شكري باسم القيادة المصرية، ولكنها ردت في شكل جازم عليها. اذ كان عون حاسماً في إعلانه وان غير المباشر بأن لا حكومة في المدى المنظور، وذلك بعدما ربط التدقيق بالمبادرة الفرنسية، فارضاً معادلة ان سقوطه يعني سقوطها، تماماً كما ربط مصير الاموال التي خرجت من البلاد بجلسة استثنائية لحكومة حسان دياب المستقيلة، ملبياً بذلك مطلب الامين العام لحزب الله قبل أسبوعين بتفعيل الحكومة المستقيلة، اذا تعذر تشكيل حكومة جديدة.

لا شك ان في مضامين كلمة عون والنبرة التي اعتمدها، وان بصعوبة ظاهرة، مستذكراً وهج قصر الشعب قبيل سقوطه تحت نيران الطيران السوري، انزعاجاً واضحاً من زيارة شكري الذي استثنى النائب جبران باسيل من جدول لقاءاته، فجاء الكلام الرئاسي مساء ليقضي على اي احتمالات لتشكيل حكومة قريبة، سيما وان الزيارة تزامنت مع تعطل زيارة باسيل الى فرنسا نتيجة فشل باريس في تأمين عقد لقاء بينه وبين الرئيس المكلف سعد الحريري.

الاكيد ان توقيت عون لإطلاق معركة التدقيق لم يكن موفقاً، كما المحطات التي استند اليها وعاد بها الى العام ٢٠٠٥، او الاتهامات التي وجهها. ذلك ان اي تدقيق جنائي من دون حكومة لن يفتح الباب امام المساعدات الدولية او البرنامج مع صندوق النقد. هو عامل مساعد حتماً ولكنه غير كافٍ. اما التحذير من الانهيار منذ العام ٢٠٠٥، فلا ينفع إستذكاره في العام ٢٠٢١، اذا لم يقترن منذ ذلك الحين بجهود جدية لمواجهته، لعل ابرزها كان يمكن ان يتوج بعدم التجديد لحاكم المصرف المركزي الذي حمله هون مسؤولية الانهيار، الى جانب كل من في الادارة والمصارف.

كان لافتاً ان رئيس الجمهورية اثار هذا الموضوع مع زائره المصري، في حين ان التطرق الى الملف الحكومي جاء من باب العتب الرئاسي على الرئيس المكلف، حيث عبر الرئيس عن استغرابه للاسباب الكامنة وراء موقف الحريري من باسيل. لا ينفك الرئيس يذكر بعملية الإنقاذ التي قام بها للحريري من الرياض، لكنه لا يقدم اقتراحات كفيلة بإخراج البلد من الازمة. كما يعيد التأكيد على عدم تمسكه بثلث معطل.

كان واضحا. انزعاج الرئيس من عدم لقاء شكري بباسيل. ولكن الأجندة المصرية كانت واضحة. فالزيارة لم تحمل مبادرة بل دعما للرئيس المكلف انطلاقاً من موقعه وصلاحياته الدستورية.

اما اختيار اللقاءات، فحمل بدوره موقف القيادة المصرية من رئيس الجمهورية ورئيس “التيار الوطني الحر”. علماً ان الجانب المصري لا يخفي انزعاجه من المقاربة المحلية لهذا الاختيار ومحاولة وضعه في خانة تنفيذ اجندة اميركية، في الوقت الذي كانت فيه القاهرة اول دولة تتعامل مع انتخاب عون رئيساً رغم التحفظ الاميركي والسعودي. لكن الوضع اختلف اليوم بعدما خرجت التسوية الرئاسية عن سكتها، من خلال استهداف الحريري لإخراجه من السلطة، او من خلال المس بالتوازنات والتمادي في تجاوز الصلاحيات او حتى خطف البلد وأخذه رهينة. ولا ترى مصر ان في دورها ما يخرجها عن موضوعيتها في التعاطي مع الأفرقاء اللبنانيين، انطلاقاً من فهم عميق للبنان وخصوصياته، وما دينامية الدبلوماسية المصرية الاخيرة حيال لبنان الا لتحقيق مصلحة البلد وتصحيح الخلل ليستعيد توازنه.

اما عدم لحظ لقاء مع “حزب الله”، فهو لا ينطوي على موقف او رسالة، على قاعدة ان لا استهداف للحزب.
لا تجد القاهرة في لقاء مع باسيل ما يضيف شيئاً فليس لدى الرجل ما يقدمه. في المقابل، ساهمت اللقاءات مع القوى المسيحية الاخرى في الوصول الى خلاصة اجمعت عليها تلك القوى، بقطع النظر عن تبايناتها ومشاريع كل منها، تكمن في تحميل باسيل مسؤولية التعطيل.

اوصل شكري رسائله وعاد الى بلاده، وتلقى الرئيس المكلف جرعة الدعم اللازمة للاستمرار على موقفه، وأطلق الجنرال معركته الاخيرة للتدقيق الجنائي، وتراجع الفرنسيون عن دعوة باسيل وفك عزلته. اما الحكومة الموعودة فلا تزال في مربعها الاول!