//Put this in the section //Vbout Automation

بري الصنم ونبيه الذي لم يكن بريئا

فاروق يوسف – العرب

أنهى حزب الله الاحتكار الذي كانت حركة أمل تمارسه على الشيعة في لبنان. وخشية أن تقع حركته تحت الوصاية الإيرانية لجأ نبيه بري إلى التحالف مع حزب الله من موقع الند كما أعتقد ولم يكن في ذلك نبيها ولا بريئا.




وإذا ما عدنا إلى تاريخه الشخصي فإن بري ينتمي إلى جيل سياسي قديم غادر خشبة المسرح السياسي اللبناني التي دخل إليها من بوابة حركة أمل التي أسسها موسى الصدر. وبعد الاختفاء الغامض للصدر أصبح زعيما لتلك الحركة عام 1980.

قدمته الحرب الأهلية زعيما وطنيا تحالف مع السوريين وخاض حروبا مسترشدا بالبوصلة السورية فكانت حركته تتنقل بين الجبهات فلم تهمل فصيلا إلا وكانت لها حكاية دموية معه من الكتائب إلى حزب الله مرورا بالفلسطينيين.

بري هو من بقايا الحرب الأهلية التي نجت بسبب اتفاق الطائف.

وهو وإن خفت بريقه السياسي بعد هيمنة حزب الله على الدولة ودخول إيران لاعبا رئيسا في المعادلة اللبنانية، فإنه نجح في الإبقاء على رمزية وجوده باعتباره رئيسا أبديا “إلى الموت” لمجلس النواب اللبناني وهو منصب صار مع الوقت نوعا من التسوية التاريخية بين مزاجين شيعيين قررا أن لا يندفعا في اتجاه حرب الإخوة أو حرب الطائفة مرة أخرى.

نبيه بري موجود في رئاسة المجلس منذ 1992 باعتباره الأكثر أهلية لتمثيل الطائفة الشيعية في إطار نظام المحاصصة الطائفية الذي يحكم لبنان. لقد أبقاه حزب الله هناك من غير أن يخسر شيئا من نفوذه. فالرجل الثمانيني ينتمي في حقيقته إلى المتحف أكثر مما ينتمي إلى الحياة المباشرة بالرغم من أنه لا يبدو كهلا ولم يتعرض لأزمات صحية.

يعرف بري حقيقة أنه مرضي عنه من قبل حزب الله، ولولا رضا حزب الله لما بقي في منصبه. ولأنه حزبي من النوع العتيق فهو يؤمن برد الجميل بطريقة مفضوحة وعلنية. لذلك فقد ظهر على الواجهة حين دفع ببلطجية حركته بأسلحة بيضاء إلى الشوارع من أجل التصدي لتظاهرات الاحتجاج التي نادت بإسقاط النظام وإنهاء الوصاية الإيرانية في حين اكتفى حسن نصرالله زعيم حزب الله بإرسال إشارات غامضة ولم يدفع بمجرمي وقتلة حزبه إلى القتال المهين.

كان نبيه بري يحتاج إلى أن يظهر كونه رجل النظام الذي يحافظ على استقراره، بالرغم من أن منصبه كنائب ورئيس لمجلس النواب يضعه في موقع يكون فيه ممثلا للشعب المغدور في مواجهة النظام السياسي.

غير أن كل ما يهمه هو أن يكون رجل سلطة، بغض النظر عما تعنيه تلك السلطة وعن قيمتها على مستوى القرار السياسي الذي يتعلق بمصير لبنان وشعبه.

يمكن وصف بري بالعبارة التالية “ظاهرة طائفية كانت، لا تزال وستكون موجودة في الحياة السياسية إلى الموت” ذلك لأن نبيه بري سيشيع جثمانا يوما ما من مجلس النواب الذي كان مشرفا على آخر جلساته.

ما كان يُقال عن وطنية نبيه بري انتهت صلاحيته منذ عقود. لم يعد الرجل سوى مراقب للحصص الشيعية في الدولة. أما التشريعات فهو يعرف أكثر من غيره أن مجلسه تابع للأحزاب لذلك فإنه ممزق بين خنادق نقلها حزب الله حين هيمن على الدولة من مجالها النظري إلى مجال عملي هو الأقرب لفكرته عن الحكم ولمستقبل لبنان.

بري الذي يحكم والذي يتمتع بامتيازات الملوك، المدلل باعتباره رئيسا أبديا للبرلمان، هو رجل مهزوم داخل الظاهرة الطائفية التي يمثلها في مواجهة الآخرين الطائفيين مثله. فرئيس السلطة التشريعية ليس في إمكانه مثلا أن يقول رأيه بالقرارات التي أصدرتها المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس الأسبق رفيق الحريري. لم يقل كلمته في ما جرى لبيروت يوم ضرب الانفجار العظيم ميناءها. لم يتساءل عن معنى تدخل بلاده من خلال حزب الله في شأن دولة أخرى هي سوريا. أشك أن أحدا كان قد أخذ رأيه في مسألة ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل.

يقول اللبنانيون الشيعة المتحررون طائفيا إن نبيه بري مجرد صنم، صنم حافظ عليه حزب الله من أجل أن يوهم الآخرين بالتعددية الديمقراطية التي تتمتع بها الطائفة الشيعية. تلك واحدة من أعظم أكاذيب الحياة السياسية في لبنان. فالرجل الذي يمثل الطائفة رسميا لا يملك أن يقرر شيئا. إنه مجرد واجهة زجاجية يمكن تحطيمها في أية لحظة فلا يحدث أي شيء.

لبنان يدفع ثمن أخطاء تاريخية. كان نبيه بري واحدا من تلك الأخطاء.