//Put this in the section //Vbout Automation

بعد الهجوم الحاد للبطريرك.. ترقب لرد حزب الله

يعود التوتر ليطبع من جديد العلاقة بين البطريركية المارونية في لبنان، من جهة وحزب الله، من جهة أخرى، بعد هدنة شهر، فصلت بين آخر خطاب شعبي للبطريرك الماروني، مار بشارة بطرس الراعي، في بكركي، أواخر فبراير الماضي، هاجم فيه الطبقة السياسية اللبنانية وحزب الله وسلاحه، داعيا إلى مؤتمر دولي لإنقاذ لبنان.

وبيّن المقطع المصور، الذي انتشر اليوم، الراعي وهو يهاجم سلاح حزب الله وتفرده بقرار السلم والحرب في لبنان، الذي يبدو أنه أثار بتوقيته استياء كبيرا لدى حزب الله.




هذا ما يشير إليه المحلل السياسي اللبناني فيصل عبد الساتر في حديثه لموقع “الحرة”، فحزب الله “مستاء جدا من هذا التسريب وفي هذا التوقيت تحديدا، فهذا الفيديو خاص جدا ووأضح من أسلوب وظروف تصويره، أنه موجه بشكل خاص، ثانيا، لأن هذا الكلام وما يشبهه يشكل أرضية خصبة جدا لاستمرار الضغوط الخارجية على لبنان تحت هذا العنوان وبوجود هذا النوع من التوجهات اللبنانية كالتي عبر عنها البطريرك أو غيره، تحمّل حزب الله وسلاح المقاومة المسؤولية عما يحصل في البلاد”.

يرى عبد الساتر أن حزب الله لن يذهب إلى مواجهة مع بكركي على خلفية هذا الفيديو، ويشك في أن يصدر رد رسمي عليه، “لأن هناك ماكينة إعلامية سياسية في البلاد وخارجها تحاول اللعب على هذا الموضوع وتعمل على الترويج لكل ما من شأنه أن يعيد إحياء الخلافات وإثارة الانقسامات داخل المجتمع اللبناني، وكان من الواضح من الفيديو إنها مواقف قديمة أعيد صياغتها في قالب جديد ليتم توزيع الفيديو بعد التواصل بين بكركي وحزب الله وزيارة الوفد الإيراني أمس إلى بكركي. وواضح أيضا أن الهدف من الفيديو استجرار ردود وفتح جبهات كلامية، ولكن مطلوب من بكركي أن توضح تاريخ هذا الفيديو وظروفه ولماذا الآن يتم تداوله، علما أن المواقف كلها مطروحة ولم تكن مبيتة ولكن إعادة نشرها الآن يتم لغايات مشبوهة”.

وكان وفد إيراني برئاسة الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية الشيخ حميد شهرياري، يرافقه القائم بأعمال السفارة الإيرانية في بيروت حسن خليل، وشخصيات من المستشارية الإيرانية الثقافية وعدد من أفراد الطاقم الديبلوماسي الإيراني زاروا بكركي.

و”حملت هذه الزيارة رسائل إيجابية إيرانية تجاه بكركي، أكدت على عدم القطيعة بين الطرفين رغم الاختلاف في وجهات النظر، جرى خلالها التداول في المشاكل العامة وتباحث في النقاط المشتركة بين الطرفين”، بحسب عبد الساتر الذي اعتبر أيضا أن الزيارة “تحمل دلالات رمزية إيجابية وتأتي بعد المشكلة التي حصلت بين الطرفين بعد نشر مقال هاجم البطريرك الراعي على موقع قناة العالم الإيرانية ثم عادت واعتذرت إيران رسميا عنه وقامت القناة بسحبه”.

وبحسب المعلومات، فإن فيديو الراعي المتداول منسوخ من حوار يعود لمطلع شهر مارس جرى عبر تطبيق “زووم” بين البطريرك الراعي ومغتربين من إحدى الأبرشيات المارونية في الولايات المتحدة الأميركية، وذلك بعد الخطاب الشعبي الشهير للبطريرك في بكركي، نهاية شهر فبراير الماضي، الذي طرح خلاله موضوع المؤتمر الدولي لأجل لبنان وملف الحياد.

وبحسب الفيديو المسرب، يخاطب البطريرك الراعي حزب الله متسائلا: “لماذا تقف ضد الحياد، هل تريد إجباري على الذهاب إلى الحرب؟ تريد إبقاء لبنان في حالة حرب؟ هل تأخذ برأيي حين تقوم بالحرب؟ هل تطلب موافقتي للذهاب إلى سوريا والعراق واليمن؟ هل تطلب رأي الحكومة حين تشهر الحرب والسلام مع إسرائيل؟ علما أن الدستور يقول إن إعلان الحرب والسلام يعود إلى قرار من ثلثي أصوات الحكومة”.

ويضيف رأس الكنيسة المارونية في مخاطبته “حزب الله”: “ما أقوم به أنا هو في مصلحتك، أما أنت فلا تراعي مصلحتي ولا مصلحة شعبك. لماذا تريد مني أن أوافق على وجوب الذهاب إلى موضوع فيه خلاص لبنان، ولا تريدني أن أوافق عندما تذهب إلى الحرب التي فيها خراب لبنان؟” مشيرا إلى أن أناسا من “حزب الله” يأتون إليه ويقولون: “هذ السلاح ضدنا مش قادرين بقى نحمل.. لأنهم جوعانين مثلنا”.

موقع “الحرة” حاول التواصل مع المتحدث الإعلامي باسم بكركي ومستشاري البطريرك الراعي، للوقوف على ملابسات هذا الفيديو والرسالة من نشره اليوم، إلا أن مصادر إعلامية مقربة من بكركي أكدت أن هناك قرارا بعدم التعليق في الوقت الحالي على الفيديو للتأكد من ظروف وأسباب تسريبه أو نشره ومن الجهة المستفيدة منه.

وتشير المصادر إلى أن “التسريب لا يحمل ما هو مخفي عن الرأي العام وبالتالي ليس هو تسريب بالمعنى التقني للكلمة بقدر ما هو تداول لمادة مصورة لم تكن قد نشرت قبل الأمس، ولكنه لم يحمل أي جديد بما يخص موقف بكركي من السلاح خارج إطار الدولة، ومن موقف البطريرك ومن خلفه بكركي من قرار السلم والحرب في لبنان، لكن الفرق أن الطابع الخاص للحوار الذي سجل فيه هذا الفيديو يسمح بتسمية الأمور بشكل أوضح بخلاف ما يفرضه التخاطب الإعلامي العام”.

كلام المصادر يتوافق مع ما يراه الصحفي والسياسي نوفل ضو، الذي يؤكد على أنه “ما من سر كشفه الفيديو ليحمل وصف التسريب إذ إنه لم يحمل أي جديد في مواقف البطريرك”. ويضيف “هذا الكلام كان مسجلا وعلنيا وموجها لمغتربين في بروكلين، والبطريرك ألقى كلمة طويلة لم تحمل أي طابع مخفي ليقال أن الفيديو مسرب، لكنه اليوم يبدو أنه وجد طريقه للانتشار الكبير على مواقع التواصل الاجتماعي”.

الفيديو أثار موجة ردود فعل كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، ولاسيما لدى جمهور حزب الله الذي هاجم الراعي وكلامه حول قرار السلم والحرب في لبنان وشرعية سلاح الحزب وانخراطه في الحروب الإقليمية.

في المقابل، دافع المؤيدون لكلام الراعي عن تصريحاته، معتبرين أنه محق في توصيفه وأسئلته التي طرحها على الحزب إذ بات واجبا تحديد مصير الحرب والسلم في البلاد وحصريته مع السلاح في يد الدولة اللبنانية.

وكانت العلاقة بين حزب الله وبكركي قد شابتها تشنجات، انطلاقا من مرحلة ما بعد انفجار مرفأ بيروت حيث تصاعدت مطالبات البطريرك الراعي بانتهاج لبنان للحياد الذي يمكنه من تجنب النزاعات والحروب إقليميا ودوليا، ويمكنه من أن يحصن سيادته الداخلية والخارجية بقواه العسكرية الذاتية، الأمر الذي فسر على أنه استهداف لحزب الله رد عليه الأخير عبر لسان أمينه العام حسن نصرالله والإعلام المحسوب عليه في أكثر من مناسبة.

واشتد عمق الخلاف السياسي بين الطرفين مع مطالبة الراعي بعقد مؤتمر دولي خاص بلبنان برعاية الأمم المتحدة، “بسبب عجز الجماعة السياسية عندنا عن اللقاء والتفاهم والحوار وتشخيص المرض الذي شل الدولة بمؤسساتها الدستورية وخزينتها واقتصادها وماليتها،” الأمر الذي فسره حزب الله على أنه دعوى لتدخل القوى الخارجية في لبنان.

في آخر تواصل تم بين حزب الله وبكركي، عقب طروحات الراعي الأخيرة، تم الاتفاق، بحسب عبد الساتر، على “تبريد الأجواء الساخنة بين الطرفين، وتم التشديد على التفهم والتفاهم بينهما، حيث تم توضيح مواقف البطريرك من قضية طرحه للحياد فيما نقل حزب الله جو الاستياء لديه نتيجة المواقف المتتالية للبطريرك التي استهدفت الحزب في أكثر من مناسبة، واستمر الخلاف قائما طبعا، فلا حزب الله وافق على طروحات البطريرك حول الحياد وظروفه وتعريفه، ولا هو بدل بوجهات نظره، ولكن جرى نوع من الاتفاق على الخلاف وإبعاده عن التراشق الإعلامي والاستثمار السياسي لما فيه مصلحة البلد وسلمه الأهلي”.

هذا التواصل وما تبعه من تفسيرات وتوضيحات بين الطرفين أوحى بأن كلام الراعي المنشور اليوم قديم ويعبر عن مرحلة قوله وليس عن موقف البطريرك، وعلى هذا الكلام يرد ضو، مؤكدا أنه ليس هناك ما يسمى “الموقف الأخير للبطريرك، فمواقف بكركي هي مواقف مبدئية يعبر عنها في كل مناسبة بطريقة معينة، وهذا صحيح بحسب السياق العام، لكن هل كان البطريرك منذ ٥ سنوات مع الذهاب إلى سوريا واليمن والعراق والمحاربة هناك؟ هل كان البطريرك مع السلاح خارج سلطة الدولة أو تحكم حزب بمصير السلم والحرب في البلاد؟”.

ويضيف ضو “البطريرك كان يشرح كلامه الذي يقوله وقاله علنا، والسبب الذي دفعه للحديث عن الحياد، وقارن ببساطة بين سعيه للحياد ومؤتمر دولي لمصلحة لبنان وبين القتال في سوريا واليمن والتدخل في حروج وشؤون المنطقة الذي يعود بالضرر على لبنان، كل هذا الكلام يعبر عنه البطريرك طوال الفترة الأخيرة بطريقة مباشرة أكثر وواضحة”.

ويؤكد ضو أن موقف البطريرك الراعي يأتي منسجما تماما مع مواقف من سبقه من بطاركة، إذ لم يتدخلوا في السياسة إلا في اللحظات المصيرية من عمر البلاد حين تواجه مخاطر كبيرة تهددها كما هي الحال اليوم، وكما كانت عام 92 واتفاق الطائف والعام 2000 و2005 مع البطريرك صفير، واليوم يرى الراعي أنه أفسح في المجال أمام الأطراف السياسية لكنها فشلت جميعها في إنقاذ لبنان والبلد متجه نحو المجهول والناس منتفضة، وبالتالي يقول لهم إنتهت اللعبة”.

يجزم ضو أن البطريرك “لم ولن يغير توجهه فيما يخص هذه القضايا والملفات، فهذا توجه البطريركية تاريخيا ولا يمكن للراعي أن يخالف الدور الذي لعبه 76 بطريركا مارونيا من قبله، وبالتالي اليوم الطابة في ملعب حزب الله والمشكل ليس بين حزب الله وبكركي بل بين الحزب وكل اللبنانيين، البلد مقسوم اليوم وهناك مشكل بين مكوناته ورؤيتهم ولولا ذلك لما كنا نعيش ما نعيشه اليوم”.


الحرة