//Put this in the section //Vbout Automation
حنا صالح - الشرق الأوسط

لبنان على أخطر مفترق! – حنا صالح – الشرق الأوسط

«لقد كنت قلقاً بشأن ذلك منذ سنوات». بهذه العبارة علّق الرئيس الأميركي جو بايدن على اتفاق التعاون الصيني – الإيراني، الذي تم التوقيع عليه في 27 مارس (آذار) الماضي ويمتد إلى 25 سنة قادمة، ويشمل التعاون الاستراتيجي والاقتصادي والأمني بين الجانبين!

مفهومٌ القلق الأميركي، فالمارد الصيني، المنافس الاقتصادي الأول للولايات المتحدة، سيكون له الحضور القوي في منطقة هي الأهم عالمياً بالنسبة لإمدادات النفط لاقتصادات العالم. لكن القلق تأخر كثيراً، إذ لا يجوز النظر إلى هذا الاتفاق على أنه مفاجئ، فالمشروع طُرحَ على بساط البحث قبل خمس سنوات خلال زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ لطهران في يناير (كانون الثاني) من عام 2016، ومنذ ذلك التاريخ كان النقاش يدور حول شمول الاتفاق مروحة واسعة من الأعمال، الأمر الذي تأكد مع إجمالي قيمة الاتفاق بـ425 مليار دولار توظّفها الصين في قطاعات إيرانية مختلفة، مقابل نفطٍ إيراني منخفض الثمن يوفر للصين احتياطات كبرى. وطبعاً فإن مجالات الاتفاق الواسعة تشمل المرافئ، وبناء مرافئ جديدة، وسكك الحديد والاتصالات والمصارف وتكنولوجيا المعلومات، إلى التعاون العسكري من التدريبات المشتركة إلى الصناعات العسكرية وتبادل المعلومات الاستخبارية!




قد يكون التوقيت هو الأمر المقلق كثيراً، لارتباطه صينياً بطموح بكين إلى تعميق نفوذها السياسي في الشرق الأوسط، كما حصولها على مكاسب اقتصادية تمنح دفعاً إضافياً للمشروع الصيني الكبير «الحزام والطريق» أو «طريق الحرير الجديد»، فيما هو بالنسبة لإيران خشبة خلاص من الأزمات الخانقة التي تحاصرها نتيجة للعقوبات الأميركية، وتراهن أنه سيمنح مشروعها الإقليمي عناصر قوة إضافية، حيث رهانات حكام طهران على الهيمنة كبيرة جداً. ومع أن العالم لا يسير باتجاه واحد، وتبدُّل الأحوال لا يتم بين ليلة وضحاها، ولا حتى بين سنة وأخرى، فقد عكس هذا المنحى أمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي شمخاني، الذي رأى، حتى قبل الإبرام النهائي، أن الاتفاق «يسرّع من أفول الولايات المتحدة»! وليضيف أن العالم «ليس الغرب فقط، والغرب ليس أميركا فحسب والدول الأوروبية الثلاث الناكثة للعهود»!

في عام 1977، عدّ زبيغنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأميركي، منطقة الخليج منطقة المصالح الحيوية الأميركية. لكن في العقد الأخير مع تراجع الحاجة الأميركية لنفط المنطقة، تزايد الاهتمام الأميركي بشرق آسيا، مع بروز منحى احتواء النهوض الصيني، وهو الأمر الذي شغل واضعي السياسات في أميركا، فإن الجديد الذي طرأ سيفترض تسريع إعادة النظر في كثير من السياسات. الأرجح أنه آن الأوان لواشنطن لأن تخرج من مرحلة إزالة آثار الترمبية، فالصين ستكون في مضيق هرمز وعينها على باب المندب، وفي وقت أعاد العالم التركيز على أهمية الجغرافيا استراتيجياً، مع حدوث جنوح ناقلة عملاقة في قناة السويس، ما تسبب في إقفال هذا الممر المائي – الاقتصادي لأيام والتداعيات التي نجمت عنه، فالأرجح أن طهران بعد الاتفاق مع الصين ستتمسك أكثر فأكثر بوجودها في شرق المتوسط!
يحدث هذا التطور الكبير مع تدحرج الانهيارات اللبنانية على كل المستويات النقدية والاقتصادية والاجتماعية كما بالنسبة إلى العزلة التي دُفع البلد قسراً إليها. يتمادى تعثر المنظومة السياسية حتى في الاتفاق على المحاصصة في حكومة بالكاد يمكنها إدارة الأزمة، رغم مرور نحو 8 أشهر على سقوط حكومة دياب، إثر جريمة تفجير المرفأ وما أسفرت عنه من إبادة جماعية وتدمير نحو ثلث العاصمة فوق رؤوس السكان. حتى إن الرئيس نبيه بري رأى أن «البلد كله (تايتانيك) وإذا ما غرقت السفينة يغرق الجميع بدون استثناء».

كلام رئيس المجلس النيابي تلا تعثر التحرك الدبلوماسي الذي شهدته بيروت ولم يسفر عن أي نتائج لجهة إقناع المسؤولين، وبدايةً رئيس الجمهورية، بخطورة الوضع إنْ استمر الانسداد الحكومي، ليتبين في نهاية المطاف أن كل أطراف الطبقة السياسية متمسكة بمواقفها، يقاتل كل فريق من أجل زيادة حصته وتأثيره، وما من أحد عابئ بانهيار كبير يطرق الأبواب وَضَعَ لبنان على أخطر مفترق!

الأكيد أنه منذ جريمة الرابع من أغسطس (آب) التي تعادل جريمة حرب، وهي الجريمة التي ما كانت لتتم لولا تواطؤ سياسي ما بدليل توحد المنظومة السياسية في استهداف التحقيق والعدالة، فإن أكثرية لبنانية بدا لها أن الانهيار الكبير قد بدأ، وأن الاندفاعة من دون كوابح ستؤدي بالبلد إلى ارتطامٍ كبير يفاقِم من حالة التشظي التي يعيشها. فبدأ لبنان يتحول إلى رصيف هجرة ليس للشباب فقط بل للكادرات الطبية والعلمية والإدارية وسواها، وهي العنصر الأهم في الثروة اللبنانية، والسبب أن الكارثة طالت الجميع. وبدأ يتردد على ألسُن عامة الناس أن لبنان المعروف لن يستمر، ولا النسيج البشري الذي ميّزه بمقدوره تجاوز الصعاب.

صحيح أن الرئيس عون فتح معركة التوريث، وأولويته ضمان ترئيس صهره النائب باسيل المعاقَب أميركياً وفق قانون ماغنيتسكي، وكل الآخرين فتحوا معارك تحسين أدوارهم وزيادة حصصهم، وأولهم الرئيس المكلف الحريري، فإن الانسداد ما كان ليتعمق بهذا الشكل لولا بروز دفتر الشروط من جانب «حزب الله» لإجهاض المطروح حكومياً وفرض توجهات منسجمة وأجندة قوى الممانعة، لأن الشأن اللبناني ليس بين أولوياته هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى وجد البلد نفسه أمام وطأة التدخل الإيراني على خط كسر المبادرة التي أطلقها الرئيس الفرنسي ماكرون، وما رافقها من عروضٍ دولية جادة بدعم يساعد في بدء انتشال لبنان، شرطه «حكومة مهمة» قادرة على البدء في خطوات الإصلاح التي تعهّدت بها الحكومات المتعاقبة. وهكذا تظهرت الصورة كاملة، بحيث بدا ارتباط الاستعصاء بأطماع حكام طهران، كأنه كُتب على اللبناني أن يكون ضحية أطماع الخارج في لبنان، وما هَمَّ إن كان البلد أمام خطر اندثار حقيقي، فالقوى الممسكة بزمام الأمور لن تغيِّر من عاداتها، فهي تريد مساعدات من دون إصلاحات!

اليوم، بعد الاتفاق الكبير بين الصين وإيران، ستذهب طهران إلى مزيد من التشدد، لإحكام قبضتها، ولم يعد الأمر احتجاز التأليف ارتباطاً بالتفاوض مع واشنطن، بل ستبرز أكثر محاولات فرض حكومة تابعة! ما يعني أن لبنان يمكن أن يكون مرشحاً في أجلٍ قريب لمخاطر لم يعهدها تعمِّق أكثر من أزماته التي صنّعتها طبقة سياسية ارتهنت البلد مقابل مقاعد في الحكم، أو بدء مسيرة تجدُّد رسمت معالمها «ثورة تشرين». كل المؤشرات تؤكد أن الصعوبات على اتساعها لن تمنع بلورة ميزان قوى يعكس قدرة اللبنانيين، رغم وجعهم وعوزهم بعد إفقارهم. فالتاريخ اللبناني غنيٌّ بالتجارب والحاضر معلّم في كيفية مواجهة تحديات جماعة الداخل وأطماع القوى الخارجية. المهم الثبات، ولن يكون اللبناني وحده في العالم، ولن يكون سهلاً جعل لبنان مجرد جغرافيا من دون ناس يسهل السيطرة عليه لمدِّ أطماع المشروع الفارسي إلى المتوسط!