//Put this in the section //Vbout Automation

لبنان فوق فوهة «انقلاب جديد» فأي مصير ينتظره؟

الأفق في لبنان مُقفل. هي خلاصة مؤلمة لمن لا يزال متمسكاً بالبقاء في «بلاد الأرز» التي كانت يوماً «سويسرا الشرق» يتغنّى بها زائرها، ويحلم مَن سمع عنها أن يأتيها سائحاً في كل فصول السنة. ما عاد لبنان هو الذي عرفه أبناؤه ولا زوّاره. انتهى زمن أغنية وديع الصافي التي كتبها يونس الابن عن «لبنان يا قطعة سـما عالأرض تاني ما إلها… لوحات الله راسمها شطحات أحلى من الحلى». تحوّل إلى لوحات من البؤس والفقر تضرب غالبية شعبه، بعدما تآكلت الليرة مقابل الدولار، ولوحات من القهر والذل تُطبق على صدور من يعيش في النفق المظلم. من سافر بحثاً عن مستقبل، أقفل باب العودة. هي هجرة جديدة تُضاف إلى ما سبقها من هجرات أجيال لم يَـعُـدْ معظمهما إلى أرض الوطن، ولا سيما أولئك الذين قصدوا الأمريكتين.
سؤال يتردّد على كل شفه ولسان: كيف وصلنا إلى مرحلة انهيار الاقتصاد وإفلاس الدولة وضياع أموال المودعين في المصارف؟ ليست الإجابة واحدة موحدة ولا يمكن أن تكون، وإن كان الفساد نقطة تقاطع وأحد العوامل التي ساهمت في انكشاف الوضع.

تقاذفٌ لكرة المسؤولية!




يذهب البعض إلى رمي المسؤولية على حقبة رفيق الحريري والمشروع الاقتصادي للبنان ما بعد الحرب الأهلية، الذي حاول من خلاله إعادة إعمار لبنان وبناه التحتية، وشبكات مواصلاته، وقلب عاصمته ومطاره، على خلفية أن السلام العربي مع إسرائيل قادم ولا بدّ للبنان، بلد الخدمات والسياحة، أن يكون حاضراً لمنافسة جيرانه، فيما كان المطلوب بناء «اقتصاد مقاوم» حتى إن هناك من كان يدعونا حينها إلى الاختيار بين أن نكون هونغ كونغ أو هانوي.

الفساد أحد العوامل التي ساهمت في انكشاف الوضع

ويعتبر هؤلاء، من منطلق مواقفهم المناهضة لـ «الحريرية السياسية» أن كلفة إعادة الإعمار سبب رئيسي في عجز الخزينة والدين العام. في زمن الوصاية السورية، كان الحلفاء الخلّص لبشار الأسد في لبنان يتولون مهاجمة رفيق الحريري. اليوم هذا حال لسان «التيار الوطني الحر» ولا سيما رئيسه جبران باسيل، الذي أدرجته وزارة الخزانة الأمريكية على لائحة العقوبات بموجب قانون «ماغنتسكي» بناء على لائحة اتهامات بفساد ساهم في تآكل أُسس الحكم، مبعثها سياسي يرتبط بحلف وثيق مع «حزب الله» وخطره على تغيير وجه لبنان. إدراج شكّل ضربة قاصمة لـ»حلم مشروع» في الوصول إلى سدّة الرئاسة استكمالاً لمسار عمّه الجنرال ميشال عون، القادر على مدّه بوهج زعامة مسيحية صنعها بحمله «لواء الشرعية» في وجه الميليشيات، و»لواء التحرير» في وجه «المحتل السوري» فإذا به حليفاً للنظام السوري، ومدافعاً عن سلاح «حزب الله» بوصفه سلاحاً مقاوماً لا يراه مصوّباً إلى صدور اللبنانيين، ولا تأثير سياسياً له في الداخل.
تَحَوَّلَ باسيل إلى الشخصية السياسية الأكثر استهدافاً من قبل ثورة 17 تشرين الأول/أكتوبر، نظراً إلى حجم الاشتباكات السياسية التي خاضها تحت شعار «الدفاع عن حقوق المسيحيين» في استفزاز شعرَ معه كثيرون أنهم يعيشون مشاهد من حرب أهلية لم تندمل جراحها بعد بما يجعلهم مُحصّنين من النكسات.

نتائج اختلال التوازن السياسي جاءت كارثية

أخبار «سرقة العصر» لحقت باسمه، خصوصاً أنه وتياره يضع يده على وزارة الطاقة منذ 12 سنة متتالية. يَعِدُون بكهرباء 24/24 ولكنها لم تُنِرْ درب اللبنانيين، فيما شكّلت الكهرباء نسبة 40 بالمئة من حجم الدين العام. الأرقام في بلد تغيب عنه الشفافية، وتتحكم فيه المحاصصة الطائفية والسياسية، وينهش الفساد في طبقته السياسية وفي قضائه ومؤسساته وإداراته العامة، يمكن أن تبقى وجهة نظر. الأكيد أن المنظومة الحاكمة شريكة في كثير من «الموبقات» كل حسب حجمه في «جنّة السلطة».

تعددت القراءات والانهيار واحد

تتعدد القراءات حول مسببات الفاجعة اللبنانية. في القراءات أن سقوط البلاد في الفلك الإيراني بفعل سيطرة «حزب الله» على مفاصل الدولة والقرار هو المسبب الرئيسي للانهيار الحاصل. لا يغفلُ هؤلاء تأثير السياسات العامة الخاطئة على الوضع اللبناني، لكنهم لا يرونها جوهر الأزمة. ربما ساعدت السياسات العامة على تدهور الأحوال، لكنها ليست العامل الحاسم في الانهيار. ما قصم ظهر لبنان هو خروجه من الحضن العربي وتحوّله منصة سياسية وعسكرية ضد الدولة الخليجية الأكبر في رعايتها لبنان.
في رأيهم أن «حزب الله» أخذ البلاد رهينة، في ظل انعدام موازين القوى في الداخل والإقليم. لم يقاوم أبناؤه في وجه الهيمنة الإيرانية. بعض المسيحيين كانوا في صف حلفاء «المحور» ولا يزالون، يمارسون أبشع أنواع الحقد، وبعضهم الآخر اعتبر أن الصراع سنّي-شيعي ولا يعنيهم، فيما الدروز يبحثون عن ملجأ يحميهم في لعبة الأمم. أما السنّة، فكانت قيادتهم تعيش هاجس الانكسار الذي حصل في العراق وسوريا وحوّل الجزء الكبير منهم إلى لاجئين وسكان خيم.
في المحصلة، جاءت نتائج اختلال التوازن السياسي كارثية. أدار الغرب والعرب وجهيهما، فدخل لبنان في عزلة تامة. استنزف «حزب الله» مقدرات البلاد منذ زمن. هو الممسك بالمطار والمرفأ والحدود، يُغطي عمليات التهريب من وإلى سوريا، قبل الثورة وخلالها. تحوّلت المصارف إلى شريكة له في عمليات التبييض حين وُضع على لائحة العقوبات الأمريكية. كان التواطؤ قائماً بين حاكم مصرف لبنان رياض سلامة و»رجال أعمال الحزب» والنظام السوري. كشف سلامة أن نحو عشرين مليار دولار ذهبت خلال السنوات الخمس الماضية، لتمويل عمليات استيراد تفوق حاجة لبنان. كانت تُهرّب إلى سوريا لتأمين بقاء النظام المحاصر بالعقوبات. لا يزال النزيف المالي مستمراً بفعل دعم المواد الغذائية والمشتقات النفطية الذي يذهب إلى تحالف «المافيا-الميليشيا» معادلةٌ باتت مُستخدمة في القاموس السياسي اللبناني، أطلقها الباحث صالح المشنوق.
مساء الخميس الماضي، أطل الأمين العام لـ»حزب الله» السيد حسن نصر الله على اللبنانيين، في خضم اشتباك سياسي غير مسبوق بين رئيس الجمهورية وبين الرئيس المكلف تأليف الحكومة سعد الحريري. كان الحريري شريكاً في التسوية التي أوصلت عون، بوصفه مرشحاً لـ»حزب الله» إلى رئاسة الجمهورية التي شغرت لأكثر من سنتين ونصف السنة تحت شعار «إما عون أو الفراغ». يومها قال زعيم «تيار المستقبل» إنه يخوض مغامرة سياسية كبرى، وهي كانت كذلك. أُخذ على الرجل مسار التنازلات السياسية الذي سلكه، كما تخلّيه عن صلاحيات تعود إلى موقع رئاسة الحكومة، التي تُعتبر الموقع السنّي الأول في البلاد.

ثورة…فحكومة اللون الواحد

مع اندلاع ثورة 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019 استقال الحريري من رئاسة الحكومة أمام مطالبات الشارع. ظن أن أصوات الناس يمكن أن تُشكّل جرس إنذار لإدارة سياسية أفضل. كان الخلاف السياسي بينه وبين باسيل على أوجه، وفي خلفيات المشهد تحضر الكهرباء التي كانت بنداً أساسياً من بنود الإصلاح التي تعهد بها لبنان أمام المجتمع الدولي في أعقاب مؤتمر «سيدر» لدعم لبنان اقتصادياً. جرى الانقضاض على مشهد «الثورة» بعنجرة نصر الله وجيش الدراجات النارية وعمليات التخريب والحرق لوسط بيروت والشعارات الطائفية. ذهب تحالف عون-نصر الله إلى حكومة «اللون الواحد» التي أُوكلت إلى شخصية سنيّة لا طعم ولا لون ولا كفاءة لها. أُقفلت عواصم العالم في وجه حسان دياب، وأخفقت حكومته في التفاوض مع صندوق النقد الدولي، وفي إدارة الأزمات التي فاقمها وباء كورونا.
وزاد من المصيبة انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب/أغسطس الماضي الذي دمّر نصف المدينة، وأدخل السواد إلى قلوب آلاف الأسر. سارع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بيروت على وقع الفجيعة الكبرى. طرح مبادرة فرنسية لتأليف حكومة تكون قادرة على إنقاذ لبنان. استقال دياب وكُلف الحريري تأليف حكومة لا تزال عالقة منذ سبعة أشهر.

«ورقة التأليف» لمقايضة الأصيل

لم يأت تكليف الحريري من دون غطاء من «حزب الله» الذي يُدرك أن دقة المرحلة تحتاج إلى وجود الحريري القادر على جلب الدعم للبنان ما قد يحولُ دون مزيد من الانهيار الاقتصادي والمالي والاجتماعي والحياتي الذي سينعكس أمنياً على البلاد. سعى إلى الظهور أنه يحمل العصا من وسطها في الاشتباك العلني بين الرئاستين الأولى والثالثة، وإلى القول إن أزمة التأليف هي داخلية ولا علاقة لحسابات «الحزب» الإقليمية فيها.
انطباع المراقبين هو أن «حزب الله» يتلطى وراء عون، وأنه ليس راغباً في حكومة حدّدت المبادرة الفرنسية طبيعتها على أنها حكومة اختصاصيين من 18 وزيراً من غير الحزبيين مهمتها القيام بالإصلاحات المطلوبة بغية الحصول على الدعم الدولي. خرج نصر الله إلى اللبنانيين مهدداً متوعداً الجميع. نصح الحريري ألّا يؤلف حكومة اختصاصيين بل حكومة تكنو-سياسية ناسفاً المبادرة الفرنسية. أنذر الجيش معتبراً أن قيادته تتواطأ مع المحتجين الذين يعمدون إلى قطع الطرقات. رفع الصوت عالياً في وجه حاكم مصرف لبنان الذي طالبه بلجم الدولار، ما يعني مطالبته بالتدخل بما تبقّى من احتياطي لدى المصرف المركزي الذي أضحى اليوم مقتصراً على ما تبقى من أموال المودعين.

لبنان في نهاية المطاف ورقة بيد إيران سيأتي وقت استخدامها

في الاعتقاد أن «الحزب» يريد الاحتفاظ بورقة التأليف، وإن كان لا بد من مقايضتها، فلتكن مع الأصيل الأمريكي وليس الوكيل الفرنسي. فلبنان في نهاية المطاف ورقة بيد إيران سيأتي وقت استخدامها حين تدق ساعة التفاوض الإيراني-الأمريكي، وحينها ستتحدد الأحجام والأدوار. لكن نصر الله بدا متوتراً، غاضباً من تحميله وتحميل سلاحه مسؤولية الانهيار. بدا وكأن انقلاباً خطيراً يحصل عليه وعلى نفوذه. مَن يعرف الرجل، يعرف أن ما قاله يُمهّد لـ»عمل ما». في 7 أيار/مايو 2008 قال إن «السلاح لحماية السلاح»، فكانت نهاية خطابه إشارة لبدء عملية اجتياح بيروت. أخبر نصر الله اللبنانيين الخميس الماضي عن الحرب الأهلية، وكأنه يلوّح بها، تحدّث عن أنه ليس في وارد اللجوء إلى السلاح لتشكيل الحكومة، وكأنه يشير إلى أنه سيفعل ذلك. قال إن مسؤولية الجيش والقوى والأمنية فتح الطرق وإذا لم ينفع ذلك، فللبحث صلة.
ثمّة ترقّب لمفاعيل رسائل التهديد لدى من صُـوّبت في اتجاهه. إنه تحضير لانقلاب ما، ولإعلان بدء مرحلة جديدة. وحده باسيل سارع إلى تلقف خطاب نصر الله. وهذا أمر طبيعي، فالشاب طامح بـ»الكرسي» ولو تحوّل لبنان إلى غزة. لا يهمه إن كان محاصراً من الغرب، ذلك أنه يعتبر أن طريق الشرق مفتوحٌ أمامه، ودول المحور جاهزة لاستقبال رئيس «جمهورية إيرانستان».
الانفجار الاجتماعي آت لا محالة، سواء قصر الزمن أو طال، ولكن من شأن الأسابيع المقبلة أن تكشف ماذا يُحضّر للبنان، وما إذا جاء دوره في حلقة التصعيد التي تقودها طهران!.


القدس العربي