الأموال المنهوبة لن تعود – غسان العياش – النهار

ما إن أقرّ مجلس النوّاب أمس الأوّل #قانون استعادة الأموال المنهوبة، حتى خرج عدد من النوّاب ليعبّروا عن شكّهم بإمكانية تطبيق هذا التشريع الذي يبالغ الرأي العام في التعويل عليه. رئيس لجنة الإدارة والعدل ذكّر بعشرات القوانين الإصلاحية التي أقرّها المجلس ولم تنفّذ، بينها القانون الذي اقترحه هو وسعى بكل جهده لإقراره والرامي إلى رفع السرية المصرفية موقّتا، لتسهيل تطبيق #التدقيق الجنائي.

في مقال سابق استخلصنا درسا من مصر، مفاده أن وجود سلطة مركزية موحّدة ومصمّمة يسمح للدولة بوضع وتنفيذ برنامج للإصلاح الاقتصادي مهما كان ثمنه الاجتماعي باهظا. واليوم نستعين بتجربة العراق بعد سنة 2003 لكي نستخلص درسا آخر لا يقلّ أهمّية، وهو أن نظام المحاصصة الطائفية، الذي يشبه نظام لبنان، لا يسمح بالإصلاح، بل هو يفتح الطريق واسعا أمام الفساد المالي ويشجّعه ويرعاه، ويحمي الفاسدين من المساءلة والمحاسبة.
كان النظام الملكي الهاشمي متخلّفا وخاضعا كليا لنفوذ الإنكليز، وتميّز الحكم القاسي للرئيس صدّام حسين باليد الحديدية وسيطرة رئيس الجمهورية سيطرة كاملة على الدولة ومرافقها وأمنها واقتصادها. مع ذلك، فإن العهدين المذكورين لم يشهدا النهب الأسطوري والخيالي للمال العام الذي ظهر في نظام المحاصصة السياسية والطائفية الذي تأسّس بعد الاحتلال الأميركي للعراق.




ما إن سلّم الحاكم الأميركي على العراق بول برايمر السلطة لمعارضي حكم البعث، حتى أخذت المليارات تتطاير في سماء العراق عبر نفقات مبهمة وعقود خيالية ومبالغ أسطورية، دون رقابة أو محاسبة أو تدقيق. أصبح النهب المتفلّت لمال الدولة وسيلة مشروعة ومعترف بها لتمويل الشخصيات والقوى السياسية المهيمنة على النظام الجديد. كانت العقود والمشاريع “الملغومة” توزّع على القوى السياسية في إطار المحاصصة، إلى جانب تقاسم وظائف القطاع العام والمراكز العليا في الدولة مما أدّى توسّع التوظيف السياسي في الدولة والانتفاخ غير المسبوق في حجم القطاع العام.

المعهد الملكي للشؤون الدولية في بريطانيا “تشاتام هاوس”، الذي تأسّس سنة 1920، وهو يشبه “مجلس العلاقات الخارجية الأميركية”، نشر سنة 2019 مقالا مثيرا عن الفساد في العراق ذكر فيه أن عدد موظفي القطاع العام ارتفع من 850 ألفا سنة 2004 إلى ما يقارب تسعة ملايين موظف سنة 2016. واستخلص أن أكبر خطر على استقرار العراق بعد سقوط دولة داعش هو، بدون شكّ، فساد الطبقة السياسية.

“يخلق من الشبه أربعين”… فقد صرّح رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي في بيان رسمي أن ما أنفقته الدولة من مليارات الدولارات على قطاع الكهرباء، كان يكفي لبناء شبكات كهربائية حديثة، إلا أن الفساد والهدر المالي وسوء الإدارة حال دون معالجة أزمة الطاقة الكهربائية في العراق.
في ظلّ العهد الملكي “العميل” بنت الدولة سلسلة من السدود والمنشآت الهامّة في المناطق العراقية لم تتجاوز كلفتها 30 مليون دينار، بينها جسرا الحلة والهندية وطريق الحلة الكوفة النجف.

تقدّر جهات مطّلعة الأموال العامّة المهدورة في العراق منذ سنة 2004 بمبلغ 450 مليار دولار. وقد ذكر الدكتور أحمد الجلبي قبل وفاته أن موازنات العراق بين 2004 و2011 بلغت 400 مليار دولار، ولا زال العراق يعاني من تخلّف البنى التحتية والتجهيزات ومن الفقر وضعف الدخل الفردي وتراجع المؤشّرات الاجتماعية على اختلافها.

القاعدة أن فساد الحكم وسوء إدارة الاقتصاد لا بدّ أن ينعكسا على علاقة الدولة بالمصرف المركزي. روى ضياء حبيب الخيّون، الخبير المالي والمدير العام السابق لمصرف الرافدين، أن رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، وخلال جلسة لمجلس الوزراء حضرها الخيّون نفسه، طلب من محافظ المصرف المركزي سنان الشبيبي تأمين قرض من المركزي لخزينة الدولة بمبلغ خمسة مليارات دولار لسدّ عجز الموازنة. فرفض الشبيبي بقوّة هذا الطلب نظرا للنتائج التضخّمية التي تنجم عن اقتراض الدولة من المركزي.

وخلال المشادّة التي وقعت بين المالكي والشبيبي، بسبب تمسّك الأخير باستقلالية المصرف المركزي، قال الشبيبي لرئيس الوزراء إن طلب اقتراض الدولة من مؤسّسة الإصدار لم يحصل في العهد الملكي. ورغم قوّة صدّام حسين وسيطرته المطلقة على الدولة فإنه لم يطلب مرّة واحدة تمويل المصرف المركزي لعجز الموازنة. انتهى الصراع بإقالة سنان الشبيبي، الذي سلّم خليفته احتياطات قدّرت بمبلغ 67 مليار دولار، ما لبثت أن تبخّرت بعد رحيله.
وكأن العراق الذي يعاني الأمرّين من تجربته مع الفساد الكبير يبعث برسالة إلى الشارع اللبناني وإلى النواب “المندهشين” من عدم تطبيق القوانين الإصلاحية. خلاصة الرسالة أن لا أمل بحماية المال العام، مال الشعب، من الهدر والسرقة ما دامت المحاصصة السياسية والطائفية هي قاعدة النظام السياسي.