//Put this in the section //Vbout Automation
سمير عطا الله

صورة الوطن أُمّاً وسلّة للعائلة – سمير عطالله – النهار

NYET
اندريه غروميكو
VETO
فيتشيسلاف مولوتوف

كان “#السليق” جزءاً من حياة القرى في ايام طفولتنا. والسليق هو الخُضار البرية الصالحة للأكل، خصوصاً مسلوقة، ومنها الاسم، وينتظر مواسم السليق، مَن لا يملكون ارضاً تُزرع، ومواسم تُقطف. والبريّة مشاع، ورحمة، والسبيل الأخير قبل الجوع.




تلاشت عادات “السليق” مع تحسن احوال الريف، والهجرة الى المدينة، وغابت عن الوجبة اللبنانية، في خفر وكبرياء، صحون “القرص عنّي” اللذيذة، والخبّيزة والهندباء البرية. وصرنا إذا صعدنا الى القرى، أو مررنا بما تبقّى من ارياف لم يدفنها الاسمنت، نلمح في الأراضي البور نساء “النَّوَر” (الغجر) وهنَّ “يتنقَّبن”، أي ينقين في خضار الموسم المنسي والقطاف الحر.

كانت تلك نهاية الاعتماد الواسع على السليق المجاني كوجبة اساسية، وعنواناً ضمنياً لنهاية مرحلة بدأت في الحرب العالمية الأولى، طبعت مآسيها، الكوارث الطبيعية والسياسية، طبقة فوق طبقة. الاستعمار التركي، والصراع الدولي، والجراد، الذي لم يترك للجوع نبتة “قرص عنّي” أو ورقة خبيزة خشنة ومالحة. صورة المرأة الباحثة في الحقول عن طبخة لأهل بيتها، ترسمها حنان الشيخ في روايتها الجميلة “حكايتي شرحٌ يطول” عن حياة أمها، قبل النزول من النبطية الى بيروت في الاربعينات.

حَجَرَ علينا الكورونا حجْراً طويلاً ومريراً. صرنا في غربة عن اصدقائنا وعالمنا، وهم قبالتنا في الشارع الآخر. وقد حشرتنا الكورونا السائبة حشراً، من امامنا نشرات الأخبار بما تَحمل ولا يُحتمل ولا يُطاق، ومن ورائنا بعض البرامج الهاشلة، حيث تجعل المضيفة نفسها ضيفاً، ويتحول الحوار الى مونولوغ، سايب هو ايضاً. والسايب تعبير مؤدَّب، ويُستخدم في القرى تحاشياً لاستخدام وصف اكثر دقة، في فلتان الضوابط والأصول. ومنها مثل “المال السايب يعلّم الناس الحرام”، أي السرقة والنهب واحتقار مصائر الناس، والمشي فوق بطونهم الخالية، والتفشيخ فوق كراماتهم المدعوسة، والدوس على اعناقهم، مثلما فعل الشرطي الاميركي مع مواطنه جورج فلويد.

الدوس على الاعناق له طبعة اكثر تطوراً في العالم العربي. فقد روى الزعيم الركن (ليس إلاّ) عبد الغني الراوي (1) أنه شاهد مدير المخابرات ناظم كزار، يدوس عنق سجين يُحتضر، فيما هو، السيد كزار، يكمل حديثه مع الزعيم الركن.

قبل أيام خرجتُ من كورونا، متسلحاً بالجرعة الأولى من اللقاح العجائبي. شعرت شعور أهل الكهف عند دخول شعاع الشمس الأول. تغيرت عليّ المسافات، وأحسست كأنني في حالة عَوم بلا جاذبية. وأخذت أتطلع حولي كأنني عائد من غربة طويلة مثل “مهاجر بريسبان” في مسرحية جورج شحادة. الغربة امام الاشياء التي تعرفها، والاشياء التي تغيَّرت عليك. من المَشاهد البسيطة تعرف عمق التحولات.

في بعض الطريق لمحتُ شيئاً مثيراً: امرأة في حقل صغير ومعها سلة في يدها، تبحث عن سليق. طلبت من سائق التاكسي التوقف، ونزلت اليها، متظاهراً بأنني لا ادرك معنى الحدث. سألتها، ما هو الموسم هذه الايام؟ قالت، رافعة رأسها في وجه هذا العالم الصفيق والدنيا البغي: “ليس لديّ فكرة. إنني ابحث عما استطيع العثور عليه”.

مثل جميع الجبناء والعاجزين، أشيح بوجهي عن مشاهد امهات المرفأ في نشرة الأخبار. وفي عيد الأم بكيت معهن ومع اطفالهن، لكنني لم استطع تحمّل المشهد. يتطلب ذلك رجالاً من حديد صدىء أو من خشب منخور بالسوس وقيح القلوب.

تلقيت من الدكتور زيدان كرم، طبيب الرئيس كميل شمعون، كتابه “قلوب الامهات” (بالفرنسية، تقديم نايلة تويني). وبعد قراءته اتصلت به قائلاً: ماذا كنتَ تفعل في تلك المهنة كل تلك السنين، إن مكانك الحقيقي في القلوب ليس كجراحة، بل كأفئدة. هذا الكتاب باقة زهر لأمهات الميناء، واحدة، واحدة. تنسى الدولة الخرقاء وجودهن وتدير وجهها نحو الحيطان السميكة، وظهرها نحو امهات لبنان. لكن الأم تظهر، بدلاً من لوحة لرافاييل، في رسم اكثر روعة وخلوداً: حاملة سلة في ذراعها، بحثاً عن سليق لعشاء العائلة.

كل القوائم التي تُنشر عن البؤس المتفاقم، لا تعبّر شيئاً عما تعبِّره تلك السيدة في خَراج بعبدا، حاملة سلة السّليق، مثل أمي وأم حنان الشيخ. كان مشهداً ملائماً لعيد الأم في هذا الزمان، زمن القسوة وفظاظة الروح. نحن كنا في زمن سعيد. الزمن الذي كتب رشدي المعلوف للأم:
ربي سألتك باسمهنَّ أن تفرش الدنيا لهنَّ / بالورد إن سمحت يداك وبالبنفسج بعدهن

(…) سمّارنا في غربة الدنيا وصفوة كل جنة / فامسح بأنملك الجراح وردَّ أطراف الأسنّة / لتطل شمسك في الصباح وكل أم مطمئنة.
ذهب زمن الطمأنينة والسكينة. كان لدى انطون غطاس كرم، بديع اللغة، تعبير اكثر رقة وفحوى: الهناء، كان يقول. وماذا بي، هذا الأربعاء، زيدان كرم وانطون كرم، وجزّين، وامين رزق وعصور الأدب، و”رنين الفرح” لإدمون رزق، الذي تمنيناه ذات يوم، يملأ رئاسة الجمهورية شجاعة وصفاء وبِرّاً بلبنان وما اعطى من خير، وخيّرين، وأبرار.

ذلك زمن لم يعد. No More كان يقول الانكليز في لغتهم الماضية. نحن الآن في زمن النقض. الفيتو. لا لكل شيء، ولا لكل الاشياء. ابتدعت الأمم المتحدة حق النقض للدول الكبرى لكي تمكّنها من ظلم الآخرين. استخدمت الولايات المتحدة حق الفيتو 82 مرة، معظمها لتثبيت ظلم اسرائيل واستبدادها، واستخدم الكرملين، سوفيات وروساً، الفيتو 132 مرة، في قهر الشعوب التي يدَّعي الدفاع عنها.

اسوأ ما حدث للديموقراطية اختراع سلاح استبدادي سُمي الفيتو. حق النقض. حق الاجهاض. حق التعطيل. حق القوة. حق الغصب. حق الباطل. حق الأنا. حق العنجهية والغطرسة وإلحاق الظلم بالضعفاء. استخدمت مادلين اولبرايت الفيتو لإسقاط بطرس غالي ضد 14 دولة أخرى، لأنه دان اسرائيل في مجزرة قانا.

الأم ذهَبَت تبحث عن السليق في خراج بعبدا، فيما الجمهورية تبحث تكريس أفدح شطط ديموقراطي في التاريخ. مثل جميع الأعياد في هذا الزمن، صار عيد الأم سلة باحثة عن العشاء في البرية.