إقفالات في أسواق طرابلس وتركيا وجهة من استطاع إليها سبيلاً

مايز عبيد – نداء الوطن

أصبح المشهد محزناً في أسواق طرابلس وشوارعها؛ فما كان يجري التحذير منه من باب التوقّعات أصبح اليوم حقيقة مرّة. وسط ذلك ترتسم صورة ضبابية عن أوضاع المدينة وعن اقتصادها في المرحلة المقبلة.




عشرات المحلات والمؤسسات في أسواق طرابلس تقفل أبوابها بشكل نهائي. نُزعت عن مدخل بعض المحال الشارات والعناوين ووُضع برسم الإيجار أو البيع أو الإستثمار أو حتى من دون أي رسم يُذكر. لم يعد هناك شيء يشفع لهذه المحلات وتلك المؤسسات، أو يأذن لها بأنّ يوماً ما سيأتي وتعود معه لتفتح أبوابها أمام زبائنها كما كانت عليه الأحوال في سنوات خلت.

والحديث عن محل واحد أقفل أبوابه معناه ربّ عمل وعدد من الموظفين وبالتالي عدد من العائلات كانت تعتاش بمدخول هذا المحل أو تلك المؤسسة، قبل أن يقفل تاركاً وراءه هذه العائلات في مهبّ الأزمات تصارع الريح العاتية ولا تجد سبيلاً لإنقاذ ذاتها. كمال كان يدير محلاً لبيع الألبسة في شارع قاديشا وتركه منذ ما يقارب السنة، وهو حالياً من دون عمل. وبحسب قوله “عم نقّر على الخفيف ببيع تياب بقلب البيت، بس بشكل عام كأنّي ما عم أشتغل”. ويضيف: “في الأشهر الماضية اشتدّت الظروف كثيراً وتوقّفت عجلة البيع بالكامل ولم أعد قادراً على شراء بضاعة جديدة للمواسم المختلفة. تراجعت الإيرادات بشكل كامل والبنوك أقفلت أبوابها في وجهي وتراكمت الديون وأيجار المحل، فلم يعد أمامي من حل إلا الإقفال وإعادة المحل إلى صاحبه الذي لم يستطع تأجيره إلى اليوم .. فمن ذا الذي سيستأجر ويفتح عملاً في هذه الظروف؟”.

كمال أقفل محله ومضى إلى بيته، بالمقابل هناك العشرات مثله أقفلوا ولاذوا بالفرار من هذا البلد أو لاذوا بالمنازل، فيما ينتظر آخرون دورهم ليصطفّوا ضمن قافلة الإقفال القسري بانتظار بيع ما لديهم من بضاعة موسمية وضعوا لأجلها كلّ ملصقات التنزيلات والحسومات، وليت من مجيب.

“أصبحنا نتمنّى دخول زبون إلى المحل”، بهذه العبارة يستقبلنا أحد تجار الألبسة وصاحب محل في شارع عزمي. ويضيف “كان عندي 6 شغيلة باقي واحد منهم ويمكن فلّلوا آخر الشهر لأني على وشك سكّر”. في السنوات السابقة كان تجار الألبسة في طرابلس يسافرون إلى تركيا لشحن البضائع من هناك وبيعها في السوق. تركيا لا تزال هي وجهتهم ولكن هذه المرة “one way ticket “، فمن كانت لديه السعة، قرّر السفر إلى تركيا لفتح باب عمل هناك ومن لم يستطع إليه سبيلاً، قرّر مرغماً البقاء علّ الله يحدث بعد ذلك أمراً. صحيح أنّ تركيا تفرض بعض الشروط والقيود وهناك تحدّيات أمام التجّار، إلا أنّ كلّ ذلك يختصره نبيل، تاجر الألبسة الطرابلسي، بقوله “عالقليلة في استقرار والواحد بيعرف على أي جنب بدو ينام”. ولدى سؤالنا أحد التجار عن عوائق شراء البضائع من تركيا وبيعها في لبنان مجدّداً يجيب أنّ “هذا الموضوع صار مستحيلاً في ظل ارتفاع سعر صرف الدولار بهذا الشكل الكبير، فالزبائن يدخلون إلى المحل، يسعّرون، يتفاجأون فيخرجون”.

طرابلس اليوم لا تشبه طرابلس الأمس وأسواقها اشتاقت إلى الزحمة الجميلة. وحدها زحمة محلات الألبسة هي الزحمة الجميلة على حدّ قول تجار المدينة. ومهما يكن من أمر، في النهاية محلات تقفل، وأسواق تفرغ، وعائلات تتشرّد على قارعة الزمن.