أي رسالة تلقّفها الحريري من عون؟

سابين عويس – النهار

على تعدد الرسائل المتقاذفة بين بعبدا وبيت الوسط منذ تكليف #سعد الحريري تشكيل حكومة، كان الكلام الصادر بالمباشر عن رئيس الجمهورية #ميشال عون عبر صحيفة الجمهورية الأكثر حدة وربما مهانة للرئيس المكلف، حيث تجاوزت الرسائل التي أطلقها عون في اتجاه الحريري ما قاله عنه في التسريب الشهير خلال لقائه مع رئيس حكومة تصريف الاعمال حسان دياب قبل أسابيع، حين وصفه ب”الكذاب”.




فالحديث المنقول عن لسان عون، حمل الكثير من المواقف التي اراد رئيس الجمهورية توضيحها للرأي العام من منظار قراءته او مقاربته لها. لم يحمل الحديث موقفاً جديداً لم يعبر عنه الرئيس بشخصه او عبر اوساطه او اوساط تياره السياسي. لكنه في الواقع حمل أسلوباً جديداً في التخاطب لم يألفه الوسط السياسي بين رئيس جمهورية ورئيس حكومة حتى لو كان بالتكليف. وربما هذا الأسلوب هو ما دفع الحريري الى الاعتصام، كما اوساطه، بالصمت، وعدم الرد مكتفياً بتغريدة مقتضبة ولكنها تحمل الكثير مما ينتظر اللبنانيين في القابل من الايام. فهو قال ان الرسالة وصلت.. وان لا داعي للرد، لكنه سأل الله الرأفة باللبنانيين، ما يؤشر الى قتامة المرحلة المقبلة وخطورتها، خصوصاً اذا ما عُطفت عليها التحذيرات الشديدة الوطأة لرئيس المجلس نبيه بري خلال الجلسة العامة امس والمحذرة من تايتانك لبنانية تُغرق الجميع من دون استثناء. وهو موقف جاء غداة كلام رئيس الجمهورية، وكأن ببري تلقف مبكراً الرسالة الرئاسية للحريري، ولما ترتبه في المرحلة المقبلة، على قاعدة ان الآتي اعظم والدعوة لله لأن يترأف باللبنانيين نظرا. الى خطورة وقساوة ما ينتظرهم!

وتكمن اهمية التوقف عند كلام عون انه يأتي غداة حركة دبلوماسية واسعة للدول الكبرى المؤثرة بالملف اللبناني، هو أطلقها واراد من خلالها شرح موقف العهد من الملف الحكومي. وهو لم ينتظر كثيراً ليعلن هذا الموقف عبر الاعلام.

فماذا اراد سيد بعبدا ان يقوله للحريري، والى اين سيقود كلامه الملف الحكومي عموماً والبلد في شكل خاص؟

الثابت ان الكلام جدد التأكيد ان لا عودة الى الوراء في العلاقة المقطوعة بين الرجلين، وحتى بين الحريري ورئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل الذي حرص الرئيس على دعمه ووصفه بالرجل الفولاذي. واللاعودة تعني عمليا انه لم يعد “للصلح مطرح” ولا إمكانية بالتالي لأي تعايش او مساكنة ستفرضها المرحلة المقبلة في ما لو شكٓل الحريري حكومته، وحظيت بثقة البرلمان.

الثابت الآخر ان عون لا يريد الحريري في اي شكل رئيساً لحكومة لا تكون له فيها الكلمة الفصل، وذلك إدراكاً منه ان اي حكومة بشروط الحريري ستحول رئيس الجمهورية وفريقه السياسي الى متفرجين من خارج القرار .

بكلامه، اكد رئيس الجمهورية ان لا وارد لديه بتقديم اي تنازل عن شروطه اومعاييره لتأليف الحكومة، بعدما جدد رفضه اتهامه بإصراره على الثلث المعطل، متمسكا بحقه في تسمية الوزراء المسيحيين، ومجددا اتهام الحريري بمصادرة التمثيل المسيحي، انطلاقاً من اعتباره ان الورقة التي سلمها للحريري لم تكن جدية “ويمكن الحريري ان يمزقها”.

صحيح ان عون لم يقفل الباب امام التفاهم مع الحريري على قاعدة ان لا عداء في السياسة، الا ان العبور نحو الباب المفتوح لا يزال محفوفاً بألغام التأليف بما ان العقد لا تزال على حالها ولم يقدم عون اي تسهيلات من شأنها ان تخرق الجمود القاتل، او ان تؤشر الى ان الحركة الدبلوماسية الضاغطة قد أنتجت تسوية ما تفضي الى اعادة النظر بالتشكيلة الحكومية وحجماً وتمثيلاً وتوزيع حقائب. وهذا يؤكد الانطباع بأن الامور لا تزال في مكانها، ولا أفق حدي لحلحلة داخلية، طالما ان الخارج المستحكم بالملف الحكومي لم يقل كلمته بعد.

واذا كان الرئيس جدد القول ان أبواب القصر مفتوحة، فهو ايضا جدد عرضه للحريري بالانسحاب و”الاعتذار الشجاع”، وهي في الواقع الرسالة التي تلقفها الحريري جيداً، مؤكداً برده المقتضب ان لا داعي للرد، انه لن يعدل عن موقفه، ولن يُحرجه الكلام الرئاسي ليخرجه، وهو الذي أرسى قبل ايام، وفي ذروة التصعيد بين الرجلين، معادلة الخروج الثنائي وفق مقايضة لا حريري في السرايا مقابل لا عون في بعبدا!

في الخلاصة، الوضع الى مزيد من التعقيد، وسط تراجع حظوظ نجاح اي تسوية لم تكتمل بنودها بعد، وفي ظل اشتداد حدة الانهيار الاقتصادي والمالي.
الاكيد ان رئيس الجمهورية نجح في اعادة الكرة الى ملعب الحريري، ولكن الرد المقتضب للأخير لا يشي بأنه في وارد ان يخطو اي خطوة في اتجاه بعبدا في المدى القريب. وتعتزم اوساطه بالصمت في انتظار تحديد الخطوة المقبلة، وهي ستكون رهن جولة جديدة من المشاورات لم تتحدد معالمها بعد.