لبنان الفريسة والضباع المتناحرة

عديد نصار – العرب

لم يكن اللبنانيون ليعيروا كبيرَ اهتمام بما يدور فوق، بين قوى المناهبة المسيطرة التي حكمت البلاد بحكومة ومن دون حكومة، برئيس ومن دون رئيس، بموازنة ومن دون موازنة، بانتخابات ودون انتخابات.. طيلة عقود ثلاثة كاملة تركت البلاد والناس في وضعية انهيار بلا قاع، لولا أنهم، أي اللبنانيين، يحاولون فقط أن يتلمسوا مدى قتامة الأيام التي تنتظرهم، سواء تشكلت حكومة سعد الحريري أم لم تتشكل، لا أكثر.




المواطنون الذين فقدوا أموالهم في البنوك، وأولئك الذين فقدوا أحبّة أو بيوتا أو ممتلكات في تفجير الرابع من أغسطس، وسواهم ممن فقدوا أعمالهم ووظائفهم وباتوا عاجزين عن تأمين مجرد لقمة العيش لهم ولأبنائهم، والذين يتعاركون على كيس حليب أو قنينة زيت في المراكز التجارية.. همومهم في مكان آخر بعيدا عن تكالب زعماء قوى السلطة وأزلامهم والتابعين وتناتشهم على الحصص الحكومية ومحاولاتهم تثبيت مواقعهم في السلطة أو تعزيزها.

عرّت انتفاضة 17 أكتوبر الوجوه القميئة لغاصبي الدولة ومُنتهِكي الدّستور ومُدمّري المؤسسات وناهبي المال العام وسارقي جني أعمار اللبنانيين وأموال المودعين، ثم وضعتهم في مواجهة شرسة يطاحن بعضُهم بعضا بعد أن زَعزعَت نظام سيطرتهم وبدّدت الغلالة عن أعين المخدوعين بهالاتهم المزيفة. وها هم اليوم يخوضون صراعا تناحريا حول الفريسة التي كانوا يتناهشونها كلٌّ بحسبِ سَطوته، وكلهم تحت عباءة “المرشد العام” لنظام سيطرتهم، الذي بات هو الآخر في موقع الدفاع عن عصابته المُدجّجة بالسلاح وبالأيديولوجيا المذهبية في ما يتعلق بالمسؤولية عن الانهيار العام الذي بلغته البلاد.

نحن أمام مشهد مزدوج لصراع على السلطة السياسية من فوق يقوده حزب الله خدمة لنظام الملالي وصراع من أجل البقاء من تحت يتمثل في تعارك المواطنين على أبسط أسباب البقاء

اليوم، حصل الانفجار المؤجل لأزمة تشكيل الحكومة بين رئيس جمهورية يتوكّأ على توجيهات الأمين العام لحزب الله، في خطابه الأخير مساء  الخميس في الـ18 من الشهر الجاري، ليُصرَّ على انتهاكه للدستور في تشكيل الحكومة بما يُؤمّن له الثلثَ المُعطّلَ فيها تعزيزا لموقع صهره جبران باسيل وتأمينا للوراثة السياسية في موقع الرئاسة، وبين رئيس حكومة مُكلّف يُصارع من أجل بقائه ممثلا حصريا لطائفته في موقع الرئاسة الثالثة ما أمكن من الوقت، مُتّكئا على دعم مُتأخّر من حركة أمل التي يرأسها نبيه بري رئيس مجلس النواب والتي أصدرت صباح الاثنين، أي قُبيل لقاء عون الحريري، بيانا داعما للرئيس المكلف رافضا لتوجيهات زعيم حزب الله الذي (نصح) بتشكيل حكومة سياسية متجاوزا بذلك، بل متعارضا تماما مع المبادرة الفرنسية.

بعد بيان الحركة الذي أصرّ على ضرورة الاستعجال بتشكيل حكومة اختصاصيين غير حزبيين وبلا ثلث معطل، سيشهد لبنان ارتفاعا قياسيّا جديدا في سعر الصرف وانهيارا إضافيا في مقدرة اللبنانيين على تأمين حاجياتهم، ودفعا متزايدا لهم باتجاه الغرق في المزيد من الفقر والإملاق.

في الواقع، لم يكن بيان حركة أمل مجرد بيان دعم لموقف الحريري، بل كان ردّا على خطاب حسن نصرالله الأخير وما تضمنه من اتهامات لها طالت خصوصا رئيسها نبيه بري.

نحن هنا أمام مشهد مزدوج: صراع على السلطة السياسية من فوق يقوده حزب الله خدمة لأغراض نظام ملالي طهران في الهيمنة وكسب المواقع في انتظار احتمالات التفاوض مع الولايات المتحدة، وغير عابئ بعواقبه الكارثية على اللبنانيين، وصراع من أجل البقاء من تحت يتمثل في تعارك المواطنين على أبسط أسباب البقاء كحليب الأطفال وحبة الدواء.

أمام هذا المشهد هناك تحدٍّ واضح وصريح أمام مجموعات الانتفاضة التي لم تترك الساحات يوما، لكنها لم تتمكن حتى الآن، بالرغم من وضوح الأهداف وتوفر البرامج، أن تبلور قوّة سياسية قادرة على فتح أفق التغيير أمام اللبنانيين المُحبطين. إنها فرصتهم لقلب الأدوار في المشهد اللبناني: انهيار الائتلاف السلطوي، انكشاف قواه شعبيا وافتضاحها دوليا، إمكانية واضحة أن تتنصل المؤسسة العسكرية من حماية المنظومة الفاسدة التي أفقرتها وجعلتها شأنها شأن كل اللبنانيين في ترد واستمرار ترد في الأحوال المعيشية، تفجّر الغضب الشعبي في وجه من لم يترك للناس سوى خيارين جهنميين: الغرق في جهنم محلي أو الهرب إلى جهنم الغربة!

فهل ترتدّ الفريسة على الضباع المتناحرة؟ هل يجرأون؟