لبنان أمام سيناريوهين: تشكيل حكومة أو الانهيار التام

بالرغم من مرور 8 أشهر على استقالة الحكومة اللبنانية إثر الانفجار المدمر الذي هز مرفأ بيروت إلا أن عناد الطبقة السياسية يعمق أزمة لبنان الذي يرقص على حافة الانهيار.

ويواجه لبنان اليوم تداعيات هذا العناد الذي يحول دون تشكيل حكومة بعد مرور 18 شهرا على استقالة حكومة سعد الحريري استجابة للاحتجاجات الشعبية المناهضة للطبقة السياسية في لبنان، قبل أن يتولى آنذاك حسان دياب تسيير الدفة بعده، لكن دياب قدم استقالته إثر انفجار مرفأ بيروت ليتم بعد ذلك إعادة تكليف الحريري بمهمة تشكيل حكومة وهي مهمة متعثرة.




ومنذ ذلك الحين فقدت العملة اللبنانية 90 في المئة من قيمتها ودفع التضخم أكثر من نصف سكان البلاد دون خط الفقر وتخلف لبنان عن سداد ديونه وأخذت البنوك من الإجراءات ما كاد يحول بين زبائنها وودائعهم الدولارية.

وشاعت مشاهد المشاجرات بين المتسوقين على السلع الشحيحة وحرق المحتجين الإطارات لسد الطرق وإغلاق أبواب المئات من المحال.

وتحولت بيروت من مدينة نابضة بالحياة إلى مدينة أشباح يلفها ظلام مخيف، بينما يحذر وزير الطاقة في الحكومة المستقيلة من أن انقطاع الكهرباء بالكامل يلوح في الأفق مع اقتراب الوقود المستخدم في توليد الكهرباء من النفاد.

غير أنه في الوقت الذي يندفع فيه لبنان صوب انهيار كامل في أسوأ أزمة يشهدها منذ الحرب الأهلية (1975 – 1990)، عجز الساسة المتشاحنون في ما بينهم عن تشكيل حكومة أو أنهم لا يرغبون في ذلك.

دبلوماسيون يقولون إن الأطراف التي تشكل النخبة الحاكمة تبدو منشغلة بتأمين المقاعد في الانتخابات البرلمانية

فقد اندفع سعد الحريري الزعيم السني الذي شغل منصب رئيس الوزراء ثلاث مرات وكلفه مجلس النواب بتشكيل حكومة خارجا من اجتماعه الثامن عشر مع الرئيس ميشال عون هذا الأسبوع.

وقال الحريري إن حزب عون المسيحي الذي يقوده جبران باسيل صهر الرئيس يريد إملاء من يشغل مقاعد مجلس الوزراء وأن يكون له حق النقض (الفيتو) على القرارات.

وقال مصدر حكومي “اعتبارا من اليوم عليك تلبية شروط جبران باسيل فهو يمسك بقلم الرئيس”.

وكان سعد الحريري ابن رفيق الحريري رئيس الوزراء في فترة ما بعد الحرب الذي اغتيل عام 2005، قد دعا إلى حكومة خبراء عليها أن تنفذ الإصلاحات التي يطالب بها صندوق النقد الدولي والدول المانحة مثل الولايات المتحدة وفرنسا منذ فترة طويلة.

ويحظى الحريري بدعم حركة أمل الشيعية بقيادة نبيه بري رئيس مجلس النواب وآخرين.

ولولا سطوة جماعة حزب الله الشيعية المدعومة من إيران والتي تهيمن على المسرح السياسي اللبناني وتدعم رئاسة عون لبدا الأمر وكأنه خلاف طائفي على اقتسام كعكة نظام المحسوبية اللبناني الآخذة في الانكماش.

ومثل دول عربية أخرى كالعراق وسوريا ظل لبنان منذ فترة طويلة ساحة للتنافس بالوكالة بين إيران الشيعية والسعودية السنية، وعادة ما كان المسيحيون أصحاب النفوذ ينقسمون بين المعسكرين.

ومع وجود إدارة جديدة في واشنطن تعيد تقييم السياسة الأميركية إزاء إيران، بدأ ميزان القوى في المنطقة يتحول. وفي الوقت الراهن يبدو أن حزب الله غير راغب في مساندة حكومة جديدة في ما قد يبدو وكأنه يقدم تنازلا لخصومه المدعومين من السعودية والغرب مثل الحريري.

ورغم أن حزب الله يقر بالحاجة لتشكيل حكومة فهو ليس على استعداد للضغط على عون والمجازفة بتحالفه مع حزبه المسيحي الكبير.

تشكيل حكومة أو الانهيار

مع استمرار تعثر تشكيل الحكومة رغم الضغوط التي تكرسها العديد من القوى الدولية على غرار فرنسا التي نزلت بكل ثقلها في هذا الصدد يجد لبنان نفسه أمام سيناريوهين.

السيناريو الأول والأكثر تفاؤلا هو أن تُشكل حكومة قادرة على استعادة الثقة على الصعيدين المحلي والدولي وتنفيذ الإصلاحات التي طالب بها المقرضون الدوليون مثل إصلاح قطاع الكهرباء الذي يعاني من الهدر والتدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان المركزي وإعادة هيكلة القطاع العام المتضخم.

وقال مصدر مسؤول رفيع إن “الكل يعلم ما هو مطلوب من إصلاحات مالية ونقدية”.

أما في السيناريو المتشائم فسيحدث انهيار آخر في الليرة اللبنانية والنمو الاقتصادي المتهاوي الذي قدّره صندوق النقد الدولي بسالب 25 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في العام الماضي وقدّره البنك الدولي بسالب 19 في المئة من الناتج.

وقال المصدر إن الاقتصاد ينكمش بوتيرة سريعة إلى درجة يصعب معها قياسه بدقة، غير أنه من المنتظر بناء على الاتجاهات الحالية أن يكون الانكماش هذا العام في حدود عشرة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

وبدأت احتياطيات النقد الأجنبي الباقية التي تقدر بنحو 16 مليار دولار تنضب، إذ ينفق لبنان حوالي 500 مليون دولار شهريا على دعم الوقود والقمح والدواء وتنفق الدولة ما بين 75 و100 مليون دولار شهريا وما لا يقل عن 100 مليون دولار شهريا عندما يتدخل المصرف المركزي في سوق العملة.

ويميل بعض المسؤولين والدبلوماسيين والساسة إلى التشاؤم، وقال المصدر المسؤول “لا أعتقد أن الأطراف تريد حلا”.

وأضاف “ليس مهما من هو رئيس الوزراء، فالمهم هو المعايير والتنفيذ واستعادة الثقة والمصداقية (…) الحكومة بدأت بإقناع الأطراف بالاتجاه إلى صندوق النقد الدولي. أيّ حكومة تخلفها ستضطر لفعل الأمر نفسه. فليس أمامها خيار”.

وما دامت حالة الشلل مستمرة، فمن الصعب تقدير مدى التدهور الذي يمكن أن يصل إليه الوضع.

وقال دان القزي الرئيس التنفيذي السابق لبنك ستاندرد تشارترد في لبنان إنه من المحتمل أن يتطور الوضع إلى انهيار آخر للعملة وتوقف كل الوظائف الأساسية للحكومة وانتشار الفوضى.

وأضاف “إذا استمر بنا الحال على هذا المنوال (…) فستضيع السيطرة بالكامل على المجتمع. وهذا يعني أن تسير في طريق ويمكن لشخص ما معه سلاح أن يوقفك ويقتلك ويأخذ سيارتك وأموالك وزوجتك”. وقال نبيل بومنصف نائب رئيس تحرير صحيفة النهار اليومية “لا أرى أي حلول. أرى أزمة مفتوحة على كل الاحتمالات”.

انشغال بالانتخابات المقبلة

رغم أن الحريري يحمّل مطالب عون مسؤولية تعطيل التشكيل الحكومي فقد أصر الرئيس حتى الآن على موقفه وذلك في وقت يبدو فيه أن الأطراف الفاعلة في الشأن اللبناني قد قررت الانصراف إلى العمل على تأمين حصتها من الانتخابات البرلمانية المقررة العام المقبل.

وتنقل المصادر التي تقابل عون عنه قوله إنه ليس مسؤولا عن الأزمة المالية إذ أن السلطة في أغلب فترات العقود الثلاثة الأخيرة كانت في أيدي الحريري ووالده وبري. ويعتقد الرئيس أن عليهم هم أن يقدموا تنازلات.

وتقول المصادر إن موقف عون ازداد تصلبا منذ فرضت واشنطن عقوبات على صهره باسيل الذي يؤهله عون لكي ينافس على منصب الرئيس.

وقال مصدر “هناك تغيير كامل. فهو ليس مستعدا لتقديم أي تنازلات على الإطلاق”.

وتحول حجم الخسائر المالية والتدقيق المزمع في حسابات الدولة إلى نقطة خلاف في لبنان العام الماضي الأمر الذي أدى إلى توقف المحادثات مع صندوق النقد، إذ نسف كبار المصرفيين والنواب خطة الإنعاش التي طرحتها الحكومة المستقيلة.

وقد أوضح المانحون الغربيون أنهم لن يتدخلوا لإقالة لبنان من عثرته دون إصلاحات لمعالجة الفساد المتجذر والديون الهائلة وإحياء المحادثات مع صندوق النقد.

كذلك أغلقت دول الخليج العربية التي كانت تحول الأموال إلى لبنان قنواتها، إذ تخشى اتساع نطاق الدور الذي يلعبه حزب الله.

ورغم الانهيار يقول الدبلوماسيون ومصادر مقربة من دوائر السلطة إن الأطراف التي تشكل النخبة الحاكمة تبدو منشغلة بتأمين المقاعد في الانتخابات البرلمانية العام المقبل أكثر من انشغالها بتنفيذ الإصلاحات.

وقال مصدر مقرب من المصادر الحكومية “بالنسبة إليهم هي لعبة سياسية. فهي تدور حول من سيفوز. أما الانهيار الكامل والثمن الاقتصادي والاجتماعي فليس لهما الأولوية بالنسبة إليهم. هي معركة من أجل البقاء في نظرهم وهم يعتقدون أن بإمكانهم بحث الثمن في ما بعد”.

وأضاف مصدر سياسي آخر “يحسبون أن بإمكانهم البقاء أطول قليلا، لكن لا أحد يعلم أين نقطة الانهيار”.