من يتعمد تدمير لبنان الحرية والديمقراطية؟

غادة السمان – القدس العربي

أنا في انتظار أن أتلقى في باريس اللقاح ضد الوباء لأسافر بعدها إلى بيروت التي لم يسبق أن غبت عنها أكثر من عام قبل هذه المرة. اتصلت هاتفياً بأخ صديق، زوجته أصيبت بالسرطان وتتلقى العلاج بالأشعة، وقال لي إنه من غير الممكن ذهابها اليوم إلى المستشفى، فالشوارع في بيروت مقطوعة بالدواليب المحروقة، والناس تريد التعبير عن غضبها أمام لامبالاة المسؤولين بها وبلقمتها وجوعها بعدما صارت الليرة اللبنانية في الحضيض وكل دولار يعادل أكثر من عشرة آلاف ليرة!!.. (لحظة كتابة هذه السطور!). الانفجار في المرفأ البيروتي قبل أشهر ما زالت ضحاياه بلا مأوى، و»سويسرا الشرق» -كما كان لبنان يلقب- صار «جهنم الشرق»، واللبناني الآدمي لم يهاجر بعد، كما يتمنى الذين يدمرون لبنان بتفريغه من جيل الشباب.




السائق نصحني: لا ترجعي!

كنت دائماً أستمتع بلحظة هبوط الطائرة في مطار بيروت قادمة من باريس، وتهب الرياح البيروتية البحرية الرطبة.
ومنذ أسابيع، قررت السفر إلى بيروت شوقاً، بلقاح أو بدون لقاح، واتصلت هاتفياً بالسائق اللبناني الذي يأتي برفقة زوجته إلى المطار لملاقاتي واصطحابي إلى البيت، وكنت أدفع له مئة دولار مقابل ذلك (إكرامية)، وكم فوجئت حين قال لي بأمانة: لا تحضري الآن إلى بيروت!
هل يعقل أن يرفض لبناني اليوم تقاضي المال؟
قال لي: ضميري سيعذبني إذا شجعتك على الحضور، على الرغم من أن حضورك يسندني مالياً، لأنك في الأيام الأولى في بيروت تعيدين تأهيل سيارتك لقيادتها وأصير أنا التاكسي الذي أنت في حاجة إليه.

الإفقار الإرغامي لتدمير لبنان

سائق التاكسي في لبنان كان يعتاش من السائح، ولكن ما من سائح مجنون يأتي هذه الأيام إلى (سويسرا الشرق) كما كان لبنان يدعى. وأضاف سائق التاكسي المألوف: قد لا أستطيع إيصالك من المطار إلى بيتك، فالشوارع أحياناً مقطوعة بالدواليب المحروقة.. كم كان هذا السائق من زمان يفرح وزوجته بحضوري إلى لبنان.. واليوم ينصحني بعدم الحضور بضمير حي!!
أكرر: ثمة من يحاول تدمير لبنان بإفقار أهله. فمن له مصلحة في ذلك؟
الذين نقلوا أموالهم إلى خارجه، وبذلك توقفت البنوك اللبنانية عن الدفع للمودعين (دعونا نستعمل الكلمة التي نكرهها): أفلست وأفلس لبنان!
هل في القلب بقية لمزيد من الحزن؟

آن فرانك والفلسطيني!

لا يذهب سائح إلى أمستردام عاصمة هولندا، ويركب في (الباص) السياحي للتعارف على معالم المدينة في يومه الأول، حتى يدور فيها في اليوم الثاني على قدميه ذاهباً إلى الأماكن التي تجتذبه، كما أفعل دائماً كلما تعارفت على عاصمة أوروبية جديدة. لا يفعل ذلك سائح مثلي إلا (ويقتادونه) إلى بيت «آن فرانك» ولم أكن قد سمعت باسمها من قبل. قال لنا الدليل السياحي ونحن نصل إلى بيتها إنها بنت يهودية صغيرة بقيت في البيت مختبئة بعدما اعتقل النازيون أهلها وصارت تقضي وقتها في كتابة مذكراتها، وبعد سقوط النازية جاء من نشر مذكراتها وكم عانت من الاضطهاد لليهود.
من طرفي، أجد معاناة الفلسطيني في بلده الذي احتلته إسرائيل لا تقاس بمعاناة آن فرانك (التي تم استغلالها للدعاية الإسرائيلية) ثم إن آن فرانك سعيدة الحظ نسبياً؛ فقد بقي لها بيت تختبئ فيه وتكتب مذكراتها، أما الفلسطيني فيتم هدم بيته واعتقال حتى أطفاله، وثمة صورة مؤثرة لطفل فلسطيني يعتقله جندي إسرائيلي وهو يحمل في يده سندويش الغداء ويتابع أكلها. آن فرانك ظلت في بيتها وصارت موقعاً سياحياً، ونشرت مذكراتها (التي وظفتها الدعاية الصهيونية لصالح إسرائيل).
أحلم بأن تصدر مؤسسة فلسطينية كتاباً مصوراً عن التنكيل الإسرائيلي بالفلسطينيين وهدم بيوتهم، وأهلها الأبرياء ينامون في الليلة التالية في العراء فوق حطام بيوتهم، أطفالاً وشيوخاً.
الممارسات اللا إنسانية ضد الفلسطيني في وطنه المحتل تجعل مذكرات آن فرانك تبدو مذكرات (الرفاهية) قياساً إلى القهر الفلسطيني أمام التنكيل الإسرائيلي به.

قشرة حضارية!

هذه الممارسات الإسرائيلية التي تتنكر للقرارات العالمية ضد قوانين التعامل مع بلد محتل (هو للأسف، فلسطين) وتتصرف كالابن المفسود بالدلال، أتمنى أن يُصدر كتاب يجمعون فيه صور الغطرسة الإسرائيلية بمواجهة صاحب الأرض الحقيقي: الفلسطيني، بل وفي صور من دون تعليق.
صورة تلك العجوز التي تحاول رد ضربات جندي إسرائيلي عن حفيدها الصبي.. وصور الجنود الإسرائيليين الذين يطلقون الرصاص الحي على المتظاهرين العزل في قطاع غزة.. لكن إسرائيل تحاول تغطية ذلك كله بقشرة حضارية، منها المباهاة بنجاحها في تطعيم أكبر عدد، نسبياً، من سكانها ضد وباء كوفيد 19، ومنها دخولها في عالم الطرب عالمياً بمغنين ناجحين، ومنها الإعلانات السياحية ودمج القدس العربية مع البرنامج السياحي الإسرائيلي.
أين نحن من ذلك كله؟ ندمر أوطاننا ونغرق في حروبنا المحلية وعداوتنا حتى فيما بين بعض الدول العربية بفعل الولاء غير العربي لبعض الأحزاب.. والصورة العربية قاتمة. أما إسرائيل فيبدو أنها تعرف جيداً كيف تسخر من عشرات الدول العربية لاحتلال مكانة عالمية.

ليت اللبناني غزال!

قرأت خبراً حضارياً عن اعتقال ياباني قتل غزالة يقدر عمرها بـ 11 عاماً، وتم تحديد القاتل بواسطة كاميرات المراقبة! والتفاصيل تزيد في حسرتنا، لأن روح الغزالة أغلى من روح الكثير من القتلى الفلسطينيين الذين يتم اغتيالهم في عالمنا العربي (في إسرائيل دون أن يفتش أحد عن القاتل المعلوم لا المجهول!) هل حيوان الغزال في اليابان أغلى من حياة إنسان عربي في فلسطين المحتلة؟ نحن نحترم الياباني على إنسانيته ونبكي على أنفسنا.

هيفاء وهبي «وبوس الواوا»

منذ غنت هيفاء وهبي، المغنية الجميلة، أغنية «بوس الواوا» والضجة قائمة حول الإيحاء (الجنسي) فيها. من طرفي كشامية عتيقة، أجدها أغنية طريفة غاية في البراءة؛ لأنني أذكر أننا حين كنا أطفالاً ونقع، نركض إلى جدتي ونشكو لها قائلين «واوا»، وتقبّل جدتي مكان الكدمة وتقول باللغة الشامية (خَلَصْ صَحَتْ) أي أن قبلتها على مكان الكدمة شفتنا من «الواوا»، وفي اللغات الأخرى ما يشبه كلمة «واوا» التي كنا كأطفال نشكو بها جرحاً أو كدمة بعد اللعب، ففي فرنسا يقولون (بوبو) بدلاً من «واوا».. وبالتالي، لم أجد يوماً أي إيحاء جنسي في أغنية (بوس الواوا) بل عودة إلى الطفولة البريئة.