قاسم يوسف - أساس ميديا

نحن الضفادع… الهانئين في ماء يغلي؟ – قاسم يوسف – أساس ميديا

تجرفنا اليوميّات في لبنان بأحداثها وتطوّراتها وتشعّباتها وتسارعها وقدرتها على فرض أمر واقع يجُبُّ ما قبله. فكل يوم يطلع علينا هو تماماً يومٌ جديد. الناس تنسى. ربّما تتناسى. والأرجح أنّ الذكراة تتبلّد وتفقد قدرتها على الحفظ والاحتفاظ.

لنضرب في هذه العُجالة مثالين صارخين:




الأوّل هو انفجار بيروت، ذاك الزلزال الهائل الذي هشّم وجهَها وشطب مرفأها وأردى المئات من أهلها وروّادها. سُمع الدويّ وقتذاك في قُبرص قبل أن نعرف أنّه واحد من أكبر الانفجارات وأكثرها هوْلاً في التاريخ. لكن أين أصبح الآن؟ الحقيقة أنّه اختفى، أو يكاد، بعد أن راح يتقلّص ويضمحلّ بفعل تكاثر الخيبات وتراكم الأزمات.

والثاني هو الدولار. وهنا مثال آخر. قفز خلال أشهر معدودة من سعره الرسميّ إلى مستويات تاريخيّة لامست حدود الجنون. عشرة أضعاف في سنة واحدة. وهو مؤهّل أن يمارس مزيداً من صعوده الصاروخيّ وقفزاته البهلوانيّة على وقع أرضيّة خصبة وآفاق شبه مسدودة. هذا الصعود نفسه هو كبيرة الكبائر. إذ طالما رفضنا مساعدات البنك الدوليّ حتى لا نحرّر سعر الصرف، وطالما كان استقرار الليرة واحداً من الأساسات والمداميك التي يستند إليها البلد برمّته. وقعت الكارثة. بدت رهيبةً ومرعبةً في مستهلّها. لكننا سرعان ما اعتدنا، ثم ما لبثت أن تحوّلت إلى ما يشبه يوميّاتنا الطبيعيّة.

في مطلع هذا الأسبوع، توجّهت الأنظار وانصبّ الاهتمام على الصفعة السياسيّة المباغتة التي طبعها سعد الحريري على وجه ميشال عون. فجأة، عادت الكثرة الشعبيّة الكاثرة إلى التمترس السياسيّ والتموضعات التقليديّة. وأخذت النقاشات تستعر حول الصلاحيّات والشكليّات وتقاذف الاتّهامات. كل هذا تغيّر في لحظة. لحظة سياسية واحدة قلبت كلَّ شيء وأعادت ترتيب الأولويّات والطروحات. تماماً كما لو أنّ هذه البلاد تعيش وأهلها في ترف مستدام.

يكمن في شرح ما تقدّم نظريّتان ثاقبتان:

الأولى عبّر عنها تعبيراً فجَّاً ومباشراً رياض سلامة، حيث قال في حضرة حسان دياب إنّ الناس ستعتاد تدريجيّاً على الارتفاع المستجدّ في الأسعار. والحقيقة أنّنا هنا إزاء خلاصة تشبه التجارب الشهيرة حول الضفدع الذي رُمِي فجأةً في الماء الساخن، فقفز هارباً من الموت المحتّم، لكنّه حين وُضِع في ماء فاتر آخذ في الغليان، مات من دون أن يُسجّل أي مقاومة تُذكر.

النظريّة الثانية هي تلك التي عبّر عنها الزميل حازم الأمين في آخر مقالاته، حيث رأى أنّ سعد الحريري “كسب ما هو أهمّ من الحكومة. كسب قلوباً سنّيّةً بعد تصريحاته الحادّة ضد ميشال عون. والأخير يسعى من خلال تحضيره الردّ إلى كسب قلوب مسيحيّين. للقلوب في لبنان هويّات طائفيّة، ذلك أن حبّاً غبيّاً وعبثيّاً يربط بيننا وبين هؤلاء الذين سبّبوا الكارثة التي نعيشها، حبّاً سهر أهل السوء على تربيَته فينا، وعلى جعله يتقدّم على أيّ حبٍّ آخر.

الدولار يتّجه صعوداً، ورواتبنا تتبخّر، وعلى الرغم من ذلك نواصل حبّنا الأرعن لهم. عون مصرّ على الثلث المعطّل، وحزب الله لن يخذله، وسعد ممسك بالتكليف، والدولار يقفز برشاقة من ألف إلى ألف. كلّ هذا لن يوقف سيلان الحبّ الأعمى الذي يربطنا بالمسبّبين للكابوس”.

يوجد بين الحبّ الأعمى والهويّات الطائفيّة للقلوب، وبين الاعتياد التدريجيّ على الفجيعة، خيطٌ رفيعٌ يُمسكه أهل البصيرة وأصحاب النضالات الوطنيّة الصافية، ودربٌ صعبٌ ووعرٌ ما برح يسلكه الكثيرون من المؤمنين بمستقبل هذا البلد وبرسالته ودوره وتميّزه. لكنّ نضالاتهم جميعاً ستظلّ قاصرةً وبلا أفق، ما دامت لم تقترن بتغيير جذريّ وهائل ومستدام. هذا ما أثبتته كلّ التجارب، أقلّه منذ قيام لبنان الكبير، وهذا ما تبلور حرفيّاً وعمليّاً في النجاح الجزئيّ عقب ثورة اللبنانيّين التاريخيّة والهادرة في الرابع عشر من آذار، التي اصطدمت بمعادلة داخليّة شديدة الحسّاسيّة والتشعّب والتعقيد، وبمشروع استعماريّ عابر للجغرافيا والخرائط.

محصّلة واحدة يفرزها هذا النقاش: لا خلاص ينتجه الواقع القائم، لا في الوقت الراهن ولا في المدى المنظور. الخلاص يبدأ حصراً من المشروع الرؤيويّ الذي طرحه البطريرك، والذي يقوم على تحييد لبنان وتدويل أزمته، معطوفاً على تطوير تراكميّ وهادئ للنظام، بمساعدة وضغط أمميّين، لأنّ الجهود المحليّة وحدها، رغم أهمّيّتها، ستظلّ قاصرة وعاجزة عن إحداث التغيير المنشود.