//Put this in the section //Vbout Automation

ماذا يعني تصريف الأعمال بعد انقضاء أكثر من 8 أشهر على استقالة الحكومة؟ – الدكتور بهيج طباره – النهار

درج رؤساء الحكومات عند استقالة الحكومة على إصدار تعميم، بالنص ذاته، لتذكير الوزراء بمضمون المادة 64 من الدستور التي تنص على ان الحكومة لا تمارس صلاحياتها قبل نيلها الثقة أو بعد استقالتها إلا بالمعنى الضيّق ل#تصريف الأعمال. ان هذا التعميم يميِّز بين الأعمال الإدارية العادية التي تدخل في نطاق تصريف الأعمال بالمعنى الضيق، وبين الأعمال الإدارية التصرفية التي يُحظر إجراؤها، باستثناء ما يتعلق منها بتدابير الضرورة التي تفرضها ظروف استثنائية أو التي يجب اجراؤها في مهل محددة في القانون.

كما يطلب التعميم إيداع رئاسة مجلس الوزراء نسخاً عن القرارات التي يصدرها الوزراء، ويعتبر المدير العام مسؤولاً مباشرة في حال عدم التجاوب او الإهمال، ويكلِّف التفتيش المركزي وديوان المحاسبة اتخاذ ما يلزم لحسن تنفيذ مضمون التعميم.




من شأن هذه التعاميم ان تُجنِّب الوزراء في الحكومة المستقيلة الوقوع في أخطاء تعرِّض قراراتهم للإبطال وقد تعرِّضهم شخصياً للمساءلة.
إن موضوع تصريف الأعمال يرتدي أهمية خاصة في لبنان نظراً الى ما أصبح يستغرقه تشكيل الحكومات من وقت طويل. قبل اتفاق الدوحة عام 2008 كان تأليف الحكومة من قِبل الرئيس المكلف يستغرق أياماً معدودة وأصبح بعد التاريخ المذكور يستغرق أشهراً.

ففي أثناء ولاية الرئيس ميشال سليمان استغرق تشكيل الحكومات الأربع المتعاقبة، بما في ذلك فترة إعداد البيان الوزاري ونيل الحكومة ثقة المجلس النيابي، أكثر من ثلث مدة الولاية.

وفي عهد الرئيس ميشال عون استغرق تشكيل الحكومات نحو ثلث المدة التي انقضت من ولايته.
إن عبارة “تصريف الاعمال” وردت للمرة الأولى في الدستور اللبناني بعد الطائف. وقد نصت المادة 64 في فقرتها الثانية على ان:
“لا تمارس الحكومة صلاحياتها قبل نيلها الثقة ولا بعد استقالتها أو اعتبارها مستقيلة إلا بالمعنى الضيّق لتصريف الاعمال”.
ذلك ان الحكومة في الأنظمة البرلمانية تستمد شرعيتها من الثقة التي يمنحها إياها مجلس النواب. وفي حال نزع الثقة أو في حال استقالة الحكومة تبعاً لاستقالة رئيسها، فإنها تفقد شرعيتها وتصبح خارج رقابة مجلس النواب.

كتب القانوني الفرنسي مارسيل فالين بأسلوب ساخر:
On ne tue pas les morts; on ne renverse pas les gouvernements démissionnaires
بما معناه “لا احد يقتل الموتى؛ لا احد يطيح حكومات مستقيلة”.
لكن، هل تصح مقارنة الحكومة المستقيلة بمن هو فاقد القدرة على التحرك؟
الجواب هو بالنفي، قطعاً!
ذلك ان قدَر الحكومة المستقيلة، وواجبَها، ان تبقى تصرِّف الاعمال الى ان يتم تشكيل حكومة جديدة عملاً بمبدأ استمرارية سير المرافق العامة، ولو بالحد الادنى، للحؤول دون حصول فراغ في مؤسسات الدولة. وفي الأزمات الكبيرة التي يمر بها البلد يصبح واجبها ان تمارس صلاحيات الحكومة العادية للتصدي لها ومواجهتها.

لم يتوصل القانونيون بعد الى الاتفاق على تعريف موحَّد لعبارة “تصريف الاعمال”. إلا ان الممارسة، سواء في لبنان أم في الخارج، اثبتت انها عبارة “مطَّاطة”، تضيق وتتسع بحسب الظروف التي يمر بها البلد. لذلك يمكن القول بأنه كلما طالت مدة الأزمة الوزارية بنتيجة تعثّر تشكيل الحكومة الجديدة، زادت احتمالات حدوث اوضاع أمنية أو استحقاق مواعيد دستورية أو مالية أو حصول كوارث طبيعية تستدعي معالجة سريعة. فتضطر الحكومة المستقيلة الى الانعقاد وممارسة صلاحيات الحكومات كاملة لحفظ أمن البلد وسلامة المواطنين.

والأمثلة على ذلك عديدة في تاريخ لبنان الحديث.
ففي العام 1969، بعدما أعرب رئيس الحكومة رشيد كرامي في مجلس النواب عن نيته في الاستقالة اثر اصطدامات دامية بين القوى المسلحة وأنصار الفلسطينيين، دخل البلد في أزمة وزارية طويلة دامت نحو ستة أشهر، حان خلالها الموعد الدستوري لتقديم الموازنة الى مجلس النواب.
وقد انعقد مجلس الوزراء في الوقت الذي كانت الحكومة فيه بحكم المستقيلة لإقرار الموازنة وارسالها الى مجلس النواب ضمن المهلة الدستورية.
كذلك في العام 1973 حصل اشتباك بين الجيش والفلسطينيين وقع فيه 13 قتيلاً من الجيش و19 قتيلاً من الفدائيين، عدا الجرحى بالعشرات من الجانبين، كما قصف الطيران الحربي مخيمات فلسطينية في ضواحي بيروت. حصل ذلك بعد اسبوع واحد على تأليف حكومة الرئيس أمين الحافظ، وقبل ان تمثل أمام مجلس النواب لطلب الثقة.

إزاء هذه الأحداث الخطيرة، عقدت الحكومة جلسة في 7/5/1973 تقرر خلالها إعلان حال الطوارىء، وهو قرار لا يمكن اتخاذه إلا من قِبل الحكومة مجتمعة.
كذلك ايضاً في العام 1979، وكانت حكومة الرئيس سليم الحص تقوم بتصريف الاعمال، عقدت جلسة في 23 حزيران قررت خلالها، عملاً بالمادة 58 من الدستور قبل تعديلها، وضع أربعة مشاريع قوانين قيد التنفيذ، منها قانون رفع سن تقاعد القضاة من 64 الى 68 سنة تلافياً لخروج بعض كبار القضاة من السلك في أول تموز من السنة عينها.

هذا وان ما يصح في لبنان يصح ايضاً في بعض الدول الأوروبية، كما في بلجيكا حيث الأزمات الوزارية تمتد أحياناً سنة كاملة تتخذ حكومة تصريف الاعمال خلالها قرارات مهمة تخرج كلياً من مفهوم تصريف الأعمال في أمور طارئة مستعجلة.
بل أكثر من ذلك، ففي 21 أيار 1987 وكانت حكومة الرئيس رشيد كرامي بحكم المستقيلة، عقد مجلس النواب جلسة، تمثلت فيها الحكومة بالوزير جوزف سكاف، الغى خلالها الاجازة للحكومة إبرام الاتفاق المعقود مع اسرائيل بتاريخ 17 أيار 1983، وقضى باعتبار “اتفاق القاهرة” الموقّع بتاريخ 30 تشرين الثاني 1964 لاغياً وكأنه لم يكن وساقطاً.

وبتاريخ 18/5/2005 تمثَّلت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي في جلسة لمجلس النواب وهي في فترة تصريف الاعمال. وفي تلك الجلسة أقر المجلس ثلاثة قوانين قضت بمنح العفو العام والعفو عن أحداث الضنية ومجدل عنجر وبتأجيل النظر في المراجعات أمام المجلس الدستوري.
¶ ¶ ¶
واليوم، بعد استقالة الحكومة، يعيش لبنان فترة جديدة من تصريف الاعمال من دون ان يستطيع احد التكهُّن بالمدة اللازمة لتشكيل حكومة جديدة.
هذا في وقت يمر لبنان بأزمة مالية خطيرة انعكست ضائقة اجتماعية لا مثيل لها، يمكن ان تنقلب في أي حين الى أزمة أمنية قد تتخذ منحى طائفياً أو مذهبياً.
يُجمع أهل الخبرة على انه لا بد من ان تبادر السلطة الى اتخاذ تدابير فورية في الداخل، وأن تجري اتصالات في الخارج مع المؤسسات العالمية المالية ومع الدول الصديقة، تجنباً للإنهيار الكامل.

ان هذه الأوضاع لا تبرر، في رأيي، عقد جلسة لحكومة تصريف الاعمال فحسب، بل انها تستدعي ان يكون مجلس الوزراء في حالة انعقاد دائم لمتابعة المستجدات ومناقشتها واتخاذ ما يلزم من تدابير سريعة لمعالجتها.
إن الأزمة الكبيرة التي يمر بها لبنان، فضلاً عن الأزمة الوزارية الطويلة التي لا يبدو في الأفق حل قريب لها، تجيز للحكومة المستقيلة، بل تقتضي منها، اتخاذ ما يلزم من تدابير لإنقاذ البلد من خطر الإنهيار، من دون ان يشكل ذلك تجاوزاً لحدود تصريف الأعمال، ولو بالمعنى الضيّق.