الراعي و”تحرير الشرعية ” في ملعب بعبدا

روزانا بومنصف – النهار

لم يفهم مراقبون سياسيون توقيت توجه الرئيس ميشال عون الى المجلس الدستوري للتصريح عن امواله المنقولة وغير المنقولة في هذا التوقيت بالذات وقبيل اجتماع للمجلس الاعلى للدفاع، على رغم الطابع البديهي للخطوة ، الا رسالة في اطار الرد على ما بات سائدا في الاوساط السياسية من وجود انحسار في دور الرئاسة الاولى يملأه المحيطون بالرئيس والعاملون على الاستفادة من تسعير الازمة السياسية بناء على تسليم او استسلام مباشر منه. اذ اين يقع هذا الالحاح في خضم تسارع انهيار البلد؟ وقد تنبه هؤلاء الى ما ردده البطريرك الماروني بشارة الراعي بالذات في عيد البشارة من ضرورة تحرير الشرعية والدولة قائلا “ما كنا نتصور يوما ان تتنازل الشرعية عن قرارها وحقها وصلاحياتها وتصبح رهينة لعبة المحاور الاقليمية”. وهذا يقع تماما في خانة رئيس الجمهورية ولو ان البطريرك الماروني عنى اساسا تخليص الشرعية من سيطرة السلاح غير الشرعي وتأثيره، فتصبح المخاوف مبررة من تأثر رئيس الجمهورية والتأثير عليه في ازمة غير مسبوقة لجهة عدم اللامبالاة بما اصبح عليه البلد وما يتجه اليه، علما ان البعض قد يذهب في تفسير كلام البطريرك حد غمزه الى من باب التكشيك في واقع الرئيس وبيئته وقدرته على اتخاذ اي قرار.
توجهت السفيرة الاميركية في لبنان دوروثي شيا ببيان لا يمكن ان يكون اشد وضوحا ومن قصر بعبدا بالذات بما يعنيه ذلك من مسؤولية يتحملها موقع الرئاسة الاولى ويجب ان يتحملها من اجل ايجاد الحل وليس للعرقلة والتعطيل، وحمل البيان تحذيرات ضمنية ولكن صريحة بما ينبغي القيام به بعدما استهانت الرئاسة الاولى بتحذيرات باريس والمملكة السعودية وسواهم من رؤساء البعثات الديبلوماسية الذين يلتقون على الخشية من الارتطام او السقوط الكبير الذي يتجه اليه لبنان. ولذلك تساور هؤلاء الشكوك بان يتجاوب رئيس الجمهورية وداعمه الاساسي “حزب الله” على خط الجهود التي تبلورت في اللقاءات التي عقدها السفير السعودي وليد البخاري مع سفيرتي الولايات المتحدة وفرنسا، وهما الدولتان اللتان بذلتا جهدا كبيرا سابقا لاعادة انخراط المملكة في دعم لبنان، ما لم يشكل الامر حافزا لكي تدخل هذه الاطراف مجتمعة او ما تمثل في تفاوض مباشر على لبنان مع ايران وربما لحساب النظام السوري ايضا. فالمحيطون برئيس الجمهورية يدورون وفق المراقبين في فلك ما يسمى محور الممانعة ما يبرر المنطق الذي يرى الراعي الامور على اساسه. وقد عزز في الساعات الاخيرة هذا الاتجاه تعليق مساعد رئيس مجلس الشورى الايراني حسين امير عبد اللهيان الذي دخل على الخط تظهيرا للخط الايراني في ما يجري غداة اجتماعات السفراء بالقول ” تنتهج الولايات المتحدة وفرنسا والسعودية سياسة عدم وجود حكومة قوية والانقسام واضعاف المقاومة، وهي الوجه الثاني من تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني واضعاف لبنان” كما قال متوجها بمعادلة جديدة تعطي مبررات قوية لمخاوف البطريرك الراعي بالقول ب” مثلث المقاومة والجيش والحكومة” بديلا من ” حكومة وجيش ومقاومة”.




وتاليا بات الكباش على الحكومة او اي تنازل تسووي هو انتصار لايران على غير ما برز من كباش يستهدف مساعي استعادة رئيس الجمهورية صلاحيات ما قبل الطائف وتعويم صهره فحسب مما يعقد اي امكان للحل او للتسوية التي طالب بها افرقاء في الداخل او طالبت بها ايضا السفيرة الاميركية بالاصالة عن موقعها وبالنيابة عن الاخرين. ويخشى البعض ان مجرد الدخول الاميركي على الخط ، فيما ان السفارة الاميركية كانت حذرة في الفترة السابقة بسبب المرحلة الانتقالية في واشنطن، سيرفع الامال بالقدرة على الابتزاز في حال شاءت الولايات المتحدة والدول الغربية منع المزيد من انهيار لبنان. فهذه هي اللعبة من الاساس فيما ان الدول الغربية والعربية باتت اكثر قلقا من اي وقت سابق .
اذ ان هذه الدول باتت تعي ان لبنان ذاهب الى السقوط الحتمي الكبير في ظل الشروط المستمرة لتأليف الحكومة والتي لا يتزحزح فيها فريق رئيس الجمهورية الذي يحتل واجهة التعطيل قيد انملة عما كان عليه موقفه طيلة 7 اشهر وفقا لما ورد ضمنا في بيان السفيرة الاميركية. هذا السقوط الذي تخشاه الدول التي تهتم بلبنان من حيث المبدأ تقع في اطار مخاوفها على ما ورد في التحذيرات التي اطلقها قائد الجيش العماد جوزف عون اخيرا وما يتصل بالجيش والقوى الامنية في شكل خاص. اذ ان التدهور الاقتصادي والمزيد من تدهور سعر صرف الليرة اللبنانية بات وسيغدو مؤثرا بقوة على عناصر الجيش وافراد قوى الامن الذين وكما قال قائد الجيش هم من افراد الشعب. وهذا ما يخشى ان ينعكس بقوة على الاداء الامني في وقت لاحق اذا استمر الوضع متدهورا وفق ما هو متوقع بتفاعلات اقتصادية كارثية من الفقر والجوع يطاول اللبنانيين كما النازحين السوريين وكل المقيمين الاخرين. وهذا لا يعني ان رئيس الجمهورية ليس محشورا او مربكا لان هذا الانهيار لن ينهي العهد فحسب بل بات رهينة الحزب وفي حضنه اكثر من اي وقت فيما ان الحزب نفسه بات امام تحديات يخشى ان تتصاعد في الاشهر المقبلة استنادا الى معطيات ترددت على اثر عودة وفد الحزب من موسكو حيث تبلغ التحذيرات الللازمة حول الخطوات التي يتعين عليها اتخاذها فارتد في تصعيد بدا غير مفهوم للامين العام للحزب حسن نصرالله وتراجع عن تسهيل للحكومة التي تم التوافق على اطارها سابقا. فاسرائيل قد لا تصمت طويلا على عرقلة الامدادات النفطية الى اوروبا كما لن تأمن وجود صواريخ الحزب لا في سوريا ولا في لبنان فيما ان الهاجس الاساسي للدول هو اقتصادي نفطي في الدرجة الاولى.

امران اساسيان انتهت اليهما جولات الديبلوماسية في الايام الاخيرة. الدول الغربية تحركت على قاعدة “اللهم اني بلغت” وستسعى الى مساعدة الشعب اللبناني ما امكن . ورؤساء الاحزاب بدأوا التحضير لتحصين القواعد الطائفية والسياسية لان الارتطام الكبير ات لا محالة. وهذا هو الامر المخيف في ظل لامبالاة القيمين المفترضين دستوريا على البلد والشعب.