حان وقت “تقاعد” حسن نصرالله؟

يوسف بزي – المدن

قد لا ينتبه كثيرون أن حسن نصرالله هو الأمين العام الثالث لحزب الله بعد الشيخ صبحي الطفيلي، والسيد عباس الموسوي. فنصرالله يبدو عن جدارة “القائد التاريخي” للتنظيم الإسلامي المسلح الأكثر نجاحاً وقوة في تاريخ الحركات الإسلامية كلها (الأصولية أو السلفية، السنّية أو الشيعية). وبات الأمين العام هو صورة الحزب وصوته وعقله وذاكرته. لقد ذاب الحزب في شخصه.




لم يكن حزب الله في بداياته مختزلاً إلى هذا الحد بشخص الأمين العام. وبقيت إدارة الحزب جماعية منذ نشأته أواخر العام 1982 وحتى العام 1989.

وإذ تميزت تلك الحقبة بطغيان العمل السري، في خلايا “العنف الثوري” المحلي والدولي، إلا أنها أيضاً اتصفت بتكوين الميليشيات العسكرية التي ستشارك في الحرب الأهلية ابتداء من أواخر العام 1983، لتخوض معارك شرسة ودموية في سياق سعي الحزب إلى الاستحواذ على ساحة “المقاومة المسلحة” ضد إسرائيل. وكان الحزب حينها تنظيماً أيديولوجياً مغلقاً وأقلوياً يُنظر إليه كفصيل سري للحرس الثوري الإيراني لا صلة له بالسياسة اللبنانية. بل بالغ الغرابة عن الحياة السياسية، منقطعاً عنها إن لم نقل محتقراً لها.

خطابه الثوري الخمينيّ، وإن كان يلقى تأييداً أو إعجاباً في أوساط الشيعة اللبنانيين، إلا أن تزمته ومحافظته الشديدة وطقوسيته الصارمة جعلته تنظيماً غير شعبي في المجتمع الشيعي الذي كان يأنس لـ”حركة أمل” ولخطاب مؤسسها السيد موسى الصدر، الذي يمكن وصفه بالمنفتح (نسبياً) دينياً واجتماعياً، وأكثر إلفة ومواءمة مع التدين التقليدي كما مع الحياة السياسية والثقافية اللبنانية.

وهذا بالضبط ما سيظهر أولاً في “حرب الأخوة” بين الحزب والحركة. ثلاث سنوات ضارية (1988- 1990)، هي الأشد قسوة ومأسوية في البيئة الشيعية التي تراكمت عليها النكبات وموجات التهجير والحروب وشراسة الاحتلال الإسرائيلي.

بعد تلك التجربة الفادحة، التحول الأول الذي سيشهده الحزب سيكون بطي صفحة المنظمات السرية المسؤولة عن أعمال الإرهاب الدولي، أو وضعها جانباً لا في المقدمة. وكذلك، إخراج القيادة من السرية إلى العلنية الواضحة، بميل إلى شخصنة القيادة وتقليل دور “مجلس الشورى”. كما بدأ الحزب سياسة اجتماعية وثقافية أكثر ميلاً لفك عزلته و”نخبويته” ولمخاطبة وكسب عقول وأفئدة أوسع شريحة ممكنة من أبناء الطائفة الشيعية، في مساومة يمكن اختصارها كالتالي: امنحوني الولاء السياسي وأمنحكم التساهل الأيديولوجي.

الأمين العام الأول، الشيخ صبحي الطفيلي (1989- 1991) كان الشخصية الأكثر تطرفاً حينها والأشد تمسكاً بمشروع إقامة “الجمهورية الإسلامية في لبنان”. ورفضاً لاتفاق الطائف والتسوية التي أنهت الحرب، عارض بشدة الدخول في الحياة السياسية اللبنانية، أو حتى أي تحالف انتخابي مع حركة أمل، على الرغم من أنه كان بالغ الاعتراض على الصدام الدموي مع “أمل”.

لقد بدا الطفيلي منتمياً إلى ماضي الحزب، وغير منسجم مع التوجه الجديد، وسيضطر الحزب إلى إزاحته وانتخاب السيد عباس الموسوي، الذي سيكرس معادلة “المقاومة ضد الاحتلال” كمدخل شرعي للحزب إلى الحياة الوطنية اللبنانية أولاً، وكجسر عبور لتغيير هذه الوطنية جذرياً، ثانياً. وهذا بالضبط ما سيمهد لحزب الله فيما بعد نموه السريع وتوسعه وتجذره كمؤسسات سياسية وخدماتية وتربوية وصحية بموازاة تطوّره العسكري الهائل وإنشائه مؤسسات أمنية واستخباراتية محترفة وفعّالة.

انتهت قيادة الموسوي سريعاً. فبعد تسعة أشهر من توليه الأمانة العامة اغتالته إسرائيل. ليتولى “الشاب” حسن نصرالله المسؤولية، وتبدأ المسيرة الكبرى الحافلة بالإنجازات التي سترتبط بالكاريزما الخطابية لهذه الشخصية الصارمة الكثيرة الأسرار، والمتقلبة المزاج والطباع.

الذروة بالطبع كانت في صيف 2006. ذروة في الامتحان الأصعب على جبهتين: تحطيم “انتفاضة الاستقلال” في الداخل. وإفشال الحملة العسكرية الإسرائيلية عند الحدود.

نصرالله عقد التسعينات وحتى خريف 2004، المزهو بشرف المقاومة وبمجد التحرير، المحتفى به في طول العالم الإسلامي وعرضه، سيصير شيئاً فشيئاً، شخصية مرتابة وعصبية، وأكثر إثارة للعداوات. فالمنزّه عن المنازعات المحلية، والمتعالي عن الشؤون العادية، أصبح ينغمس فيها اضطراراً أو عمداً، وغالباً على نحو يفضح قلة الخبرة فيها. فيما سياساته أضحت مثار خصومات خطرة وأفعال حزبه اتسمت بالتسلط العنيف إلى حد الفتنة والتهديد بالحرب الأهلية. فيما أضحت التهم الكثيرة والمؤذية تتراكم عليه وعلى حزبه. هذا فيما مشاركته في السلطة كـ”حزب سياسي محترم”، في البرلمان والحكومة والإدارات العامة، لم تحدث أي فارق نوعي، عكس الأوهام التي راهنت على “الرفعة الأخلاقية” و”القيم الدينية” التي تحكم أعضاء هذا الحزب.

العامل الأهم في تحولات نصرالله هي الأثر المضني للعيش في مخبأ. فمهما كانت وسائل التواصل وشبكة المعلومات وتقاريرها فعالة في إطلاعه على مجريات الأمور، إلا أن فقدانه للتواصل الحسي والمباشر واختبار المعاشرة الاجتماعية مع الآخرين، أفقده الكثير من قدراته في الحكم على الأمور ومن الحساسية الشخصية تجاه الآخرين، انفعالاً أو تعارفاً أو تفهماً.

بعد حقبة المقاومة والتحرير “المجيدة”، ثم حقبة تموز 2005 – 2011 “الأمنيّة”، صار نصرالله “سيد” الحقبة الثالثة “التوسعية” الأكثر خطراً وفتكاً وإثارة للجدل والعداوات، داخلياً وخارجياً: العداء للربيع العربي، والشراكة مع بشار الأسد، على نحو طغى على كل تاريخ حزب الله.

ذهب نصرالله إلى المراهنات الأقصى: في دمشق مع النظام حتى النهاية. وفي بيروت مع النظام حتى النهاية.

لا عناء في التدليل على وصمة احتضان الأسد وأكلافه، وعلى كارثية عبء ميشال عون وجبران باسيل أولاً، وباقي أركان المنظومة ثانياً. وفي الحالتين، الخسائر الهائلة سيدفع ثمنها الحزب عاجلاً أو آجلاً. الامتحان المصيري يقترب. والحزب لن يكون قادراً على تحمل نتائجها لا في سوريا ولا في لبنان، وستمتد فواتيرها إلى مستقبل بعيد. وفي هكذا استحقاقات لا نفع لقوته العسكرية.

في الآونة الأخيرة، وبعد سنتين تقريباً من خطب تلفزيونية غير ناجحة، دلت على شحّ في الأفكار وضعف في الأداء، وفشل في الإقناع، يبدو حسن نصرالله يستنفد تلك الكاريزمية إلى حد القول أنه في أزمة. خصوصاً وأن ما صار راسخاً في المخيلة هي صورته غضوباً ومتململاً.

هذا ما ظهر سياسياً وشعبياً ورأياً عاماً لا في البيئات المختلفة، بل في دواخل بيوت البيئة الشيعية نفسها، وعلى سطح التمثيل السياسي الشيعي، وفي شوارع القرى والأحياء الشيعية. هناك حرج فعلي ومشكلة واضحة في الأداء وفي القرار.

أبعد من ذلك، وبالنظر إلى احتمال فعلي في مستقبل آت أن تصل إيران (الدولة) والولايات المتحدة، وضمناً العالم الغربي والعالم العربي، إلى جملة تسويات وتفاهمات- وهذا هو الخيار الوحيد عدا استمرار الخراب والانهيار- عندها سيكون حزب الله مجبراً على السير في هذه الوجهة، والابتداء بحقبة جديدة.

هذا يتطلب لغة وصورة وخطاباً آخر. وجوه أخرى بسياسة مختلفة. فالحزب الذي كان لديه عماد مغنية كان لديه محمد فنيش مثلاً. والحيرة التي لابست الحزب سياسة وسلاحاً وحرباً وسلماً وسرية وعلنية وقيادة، والتي جسدتها مثلاً “مأساة” النائب السابق نواف الموسوي، كانت تنتهي ببساطة تحت عباءة كاريزما القائد الحاسم.

في الأسبوع الأخير حدث ما يشبه المستحيل. خرج إلى العلن العمومي والإعلامي والسياسي القول إن “حسن نصرالله أخطأ”. حدث هذا لكثرة الأخطاء المتكررة. وإشهار هذا القول لم يكن في بيئات خصمة بل في أوساط الحلفاء والمقربين. ويقترن هذا مع ضيق متعاظم من التصلب والعناد والمكابرة التي يلجأ إليها نصرالله.

ربما حان وقت التفكير، والمراجعة. لكن وحسب ما نعرف ونتذكر، فإن قادة من طراز حسن نصرالله لا يعرفون التقاعد أبداً.