“هبة الأسد” تثير زوبعة في لبنان.. ومستشفيات تفضح “اللعبة”

نام اللبنانيون بالأمس وقد أحصوا كامل أزماتهم التي يعانون منها في البلاد، ليستفيقوا على وزير صحتهم، حمد حسن، يعلن من خلف الحدود، وتحديدا من العاصمة السورية، دمشق، عن كارثة صحية في لبنان ما كانوا قد سمعوا بها بعد، ولكنها في إعلان الوزير نفسه “انحلت” برعاية الرئيس السوري، بشار الأسد.

وأبلغ الوزير، المحسوب على حصة حزب الله في الحكومة، اللبنانيين من سوريا خلال زيارة مفاجئة وسريعة، عن أزمة تهدد الآلاف منهم، لم تكن بعلم أحد من اللبنانيين، حتى المعنيين بها، قبل أن يقدم للأسد الفضل في إنقاذهم، وهو ما رأوا فيه، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تعويماً للنظام السوري ورئيسه على حساب اللبنانيين ومصيرهم الصحي.




ليلة “حبس الأنفاس”

وفي مؤتمر صحفي مشترك مع وزير الصحة السوري، حسن الغباش، من مركز الوزارة في دمشق، أعلن الوزير اللبناني “خلو مستشفيات لبنان من الأوكسجين”، مشيراً إلى تواصله مع وزارة الصحة السورية لطلب المساعدة، وكانت “الاستجابة بالسرعة القصوى” بحسب وصف الوزير، حيث أعلنت دمشق استعدادها “لتلبية حاجة لبنان بتوجيهات من الرئيس السوري، بشار الأسد، “الذي أقرّ بعد منتصف الليل” هبة للبنان عبارة عن 75 طناً من الأوكسجين، مقسمة على 3 دفعات تصل خلال 3 أيام بمعدل 25 طناً في اليوم، بعدما “عاش القطاع الصحي اللبناني ليلة طويلة على حبس الأنفاس.”

حمد وصف طلب المساعدة بـ “الإنساني الطبي الطارئ” الذي “استجابت له سوريا من منطلق الأخوة بين البلدين ما يثبت أن الرهان على الأشقاء في الأزمات رهان صائب”، مشيراً إلى أن “هبة الأسد ستنعش آلاف المرضى اللبنانيين الذين لم يتبق لهم إلا مخزون يوم واحد من الأوكسجين في المستشفيات، ولولا هذه المساعدة لكانت زهقت آلاف الأرواح وحلت كارثة في لبنان.”

كلام الوزير من سوريا، كان وقعه صادماً في لبنان، حيث لم يسمع أحد من قبل عن أزمة انقطاع أوكسجين تهدد آلاف المرضى بشكل طارئ، وفق ما وصف الوزير، ولا حتى المستشفيات التي تحدث الوزير عن مخزونها من الأوكسجين الذي “يشارف على النفاد” في يوم واحد.

وأثار هذا التطور جدلا كبيرا على مواقع التواصل الاجتماعي، تصدر معه اسم الوزير، حمد حسن، قائمة موقع تويتر في لبنان، لاسيما بعدما أطلق جمهور حزب الله وحلفاء النظام السوري في لبنان حملة شكر للوزير والرئيس السوري رافقها حملة إعلامية في السياق نفسه.

المستشفيات تفضح “اللعبة”

وحده من غرّد من خارج السرب كان نقيب أصحاب المستشفيات الخاصة في لبنان، سليمان هارون، الذي أثار “عن غير قصد” تساؤلات بشأن تصريحات الوزير، حيث نفى لقناة “أم تي في” المحلية، وجود أزمة أوكسجين في المستشفيات، مؤكداً أن في لبنان مصنعين لإنتاج الأوكسجين يُلبيان الطلب. لكنه لم يكن قد علم بعد بخطوة الوزير وتصريحاته ولا بخلفية الامور، بحسب ما أشار في اتصال مع موقع “الحرة”.

هارون رفض أن يعيد تقديم أي معلومة حول وضع الأوكسجين في مستشفيات لبنان أو حول تصريحه الذي “كاد أن يثير أزمة دبلوماسية بين سوريا ولبنان” على حد وصفه، “وأنا يا غافل إلك الله”، مؤكداً أنه كان يجيب على السؤال الصحفي بمعلومة من الواقع الصحي دون أن يدرك ما سيتخذه تصريحه من أبعاد سياسية.

إلا أن اللافت كان مسارعة أحد أكبر مصانع إنتاج الأوكسجين إلى الإثناء على خطوة الوزير والتوضيح عبر بيان بأن معاملها تعمل بأقصى طاقتها من أجل تأمين حاجة المستشفيات المتعاقدة معها، وهو ما طرح علامات استفهام حول توقيت البيان الذي جاء فوراً بعد تصريحات نقيب أصحاب المستشفيات.

من جهته يقول مدير شركة “Air Liquide” في اتصال مع “الحرة” أن لبنان لم يكن يعاني من “أزمة أوكسجين أو كارثة” كما تم وصفها والمستشفيات لم تشعر بالأزمة بعد، لكن “كدنا أن نصل إليها، كنا قريبين جداً بسبب المشكلة التي طرأت على عملية الاستيراد والارتفاع في الطلب على الأوكسجين الذي تضاعف 6 مرات بسبب جائحة كورونا وعندما أبلغنا الوزير اتخذ هذه الخطوة الاستباقية”.

موقع “الحرة” تواصل مع مستشفيات عدة في لبنان بشكل مباشر لتبيان حقيقة ما روّج له وزير الصحة، حيث نفت مستشفى “الحياة” في بيروت أن تكون قد واجهت أي أزمة انقطاع او انخفاض في مخزون الأوكسجين، كذلك بالنسبة إلى مستشفى “أوتيل ديو” في الأشرفية ومستشفى “قلب يسوع” في الحدث، ومن طرابلس إلى عكار وصيدا وزحلة وبعلبك كذلك في مستشفيات الضاحية الجنوبية لبيروت، أكدت مصادر طبية مختلفة لموقع “الحرة” عدم وجود أي أثر لأزمة انقطاع أوكسجين في المستشفيات.

بروباغندا سياسية

وينتج المصنعان (Air Liquide) و (شهاب للأكسيجين) في لبنان نحو 40 طناً من الأوكسجين يومياً توزع على المستشفيات، فيما يستورد لبنان حاجته المتزايدة من الأوكسجين بسبب جائحة كورونا حيث باتت تحتاج المستشفيات لنحو 80 طناً في اليوم، بحسب ما تؤكد مصادر لموقع “الحرة”، وتنفي أن يكون لبنان في أزمة أوكسجين حيث يتوفر لدى المستشفيات مخزون يكفي لنحو أسبوع كمعدل وسطي بين المستشفيات، في حين أن كامل حجم ما استُقدم من سوريا (75 طناً) يساوي أقل من حاجة البلاد في يوم واحد، وبالتالي لا يبلغ حجم الدعاية والترويج الذي حظيت به الخطوة من ناحية وزير الصحة أو الرئيس السوري.

وأوضحت المصادر أن الأمر “مجرد تأخير بتفريغ حمولة الباخرة التي تنقل الأوكسجين المستورد بسبب الطقس فيما المعامل اللبنانية تنتج الأوكسجين بالكمية المعتادة وبإمكانها تعويض أي نقص قد يطرأ خلال الأيام الثلاثة التي تحتاجها الباخرة لتستطيع تفريغ حمولتها، وهذا أمر وارد ويحصل خلال عملية الاستيراد وليس خارجاً عن المألوف ولا يهدد البلاد بكارثة كما عبر وزير الصحة”، واضعة الخطوة في إطار البروباغندا السياسية على حساب الأمن الصحي للبنانيين.

المصادر أكدت أنه لو كان هناك أي تهديد لمخزون الأوكسجين في المستشفيات “لكنا سمعنا الصرخة قبل ذلك بوقت طويل، أضف إلى ذلك أن عددا كبيرا من مستشفيات لبنان لديه تقنية إنتاج الأوكسجين بشكل مركزي داخل المستشفى، فيما يتوفر في لبنان الكثير من مكنات (آلات) إنتاج الأوكسجين وبعضها وصل إلى المنازل للاستخدام الفردي، إضافة إلى أن جهات عدة من بينهم الصليب الأحمر في لبنان تقوم بتوزيع الأوكسجين مجاناً على المرضى”.

وتساءلت المصادر “لماذا لم يأتِ وزير الصحة على ذكر خطوة سوريا التي اتخذتها قبل نحو أسبوع بوقف تصدير الأوكسجين إلى لبنان والكويت والأردن وغيرها من الدول بسبب ارتفاع الطلب والحاجة له في سوريا بسبب ارتفاع نسب الإصابة بفيروس كورونا في كل المحافظات؟ هذا سبب مباشر أدى إلى انخفاض حركة استيراد الأوكسجين إلى لبنان الذي كان يتم من سوريا، أكثر مما تسبب تأخر الباخرة في تفريغ حمولتها.”

يُذكر أن المدن والمحافظات السورية، لاسيما تلك الخاضعة لسيطرة النظام السوري، تعاني من شح في مادة الأوكسجين بسبب التزايد الكبير في أعداد الإصابات، وكانت وسائل إعلام سورية قد نقلت عن مسؤول في حملة “عقمها” التي تنشط في العاصمة السورية دمشق لمكافحة انتشار فايروس كورونا، إطلاقه نداءات استغاثة بسبب الانقطاع الكبير لأسطوانات الأوكسجين وشح التبرعات وعدم الإمكانية لتلبية حاجات، فيما كانت وزارة الصحة السورية قد أصدرت قرارا بحصول أولوية المستشفيات السورية على ما تحتاج إليه من كميات قبل السماح بالتصدير إلى دول أخرى، وهذا ما قد يفسر تشديد الوزيرين اللبناني ونظيره السوري على أن ما قدم من دعم للبنان “لا يؤثر على حاجة القطاع الصحي في سوريا”.

هذا الواقع زاد من الاتهامات عبر مواقع التواصل التي طالت النظام السوري بمحاولة تلميع صورته والاستثمار في الأزمة الصحية التي تصيب لبنان على حساب حاجة مواطنيه وشعبه، كذلك رفع من حدة الانتقادات لوزير الصحة اللبناني.

هل من صفقة؟

تُحذر المصادر من أبعاد وخفايا خطوة اليوم غير المفهومة، ومن أن تكون محاولة إما للتغطية على فضيحة بدأت تتكشف خيوط منها، “تتمحور حول فقدان عدد كبير من اللقاحات التي وصلت إلى وزارة الصحة اللبنانية، وتدور شكوك حول تهريبها إلى سوريا لصالح نظام الأسد، وبالتالي يُراد استباقها بتغطية “إنسانية” كالتي حصلت اليوم”.

“وإما أنها تتمة لسياسة تطبيع التعامل الاقتصادي اللبناني مع النظامين السوري والإيراني، من خلال فتح الطريق البري الممتد من طهران إلى بيروت مروراً ببغداد ودمشق، تحت غطاء تبادل المساعدات الإنسانية كما سبق وحصل مع العراق ومساعدات النفط، وقبل أيام مع إيران التي أرسلت صهاريج من مادة البنزين إلى لبنان تحت ضغط الانقطاع، وكان هناك معلومات أيضاً عن شحنات أوكسجين انطلقت من إيران برا ووجهتها سوريا ولبنان، وبالتالي قد تكون عراضة اليوم مجرد مقدمة”، تختم المصادر.