//Put this in the section //Vbout Automation
راجح الخوري

حبر بري وطلاق عون والحريري! – راجح خوري – النهار

لم نكن في حاجة الى ارتجال التصريحات الملتهبة من الرئيس سعد الحريري، بعد اجتماعه الذي كان يغلي صمتاً وغضباً، مع “بيّ الكل” الرئيس ميشال عون، ولا كنا في حاجة الى الرد المكتوب يُقرأ بعصبية، من القصر، في محاولة للرد على الحريري، لكي نعرف الحقيقة سلفاً قبل اعلان الطلاق. فمع قليل من درايتنا بلغة الأجساد وبعلم النفس وسيكولوجيا الكلام، كان من السهل جداً إعطاء الحريري خمسة على عشرة، وإعطاء الرد عليه صفراً مكعباً على عشرة.

في أي حال دعونا من التصريحات وتعالوا نتأمل في الوجوه المقطبة والمشرقطة وجوماً وغضباً بين الرئيسين وعلى مدى 22 دقيقة، فقد كان واضحاً ان ليس من طاقة لأي منهما على النظر في عين الآخر، وليس من قدرة عند كليهما ليبتلع ريقه، كي لا أقول لسانه، اسوة بالشعب اللبناني الذي ابتلع ألسنته ونشّف دمه وريقه وكل ما يملك من الكلام الشديد التهذيب يطلق عنانه في “هذا الزمن الرديء”… ويا رحمات الله عليك يا مار نصر بطرس صفير، فقد اسعفك ربك ولم ترَ علامات الأزمنة التي وصلنا اليها!




نعود الى اجتماع الطلاق الرائع الذي انتظرناه طويلاً، لأننا لم نحب اصلاً زواج المسيار السياسي، الذي بدأ مع تلك التسوية السياسية البائسة، فلقد تأملنا طويلاً في وجه الحريري وهو يشيح بوجهه الى اليسار، بينما كان عون يجلس الى اليمين شابكاً يديه كالعادة، وناظراً في لا شيء تقريباً، ثم تعالوا الى دراسة متأنية في التصريح رداً على الحريري بعد طبخ ونفخ، ولكأن عون لم يكن ينتظر او يتصور ان الحريري يحتقن!

الأهم والأعمق، ولكأن عون ومستشاريه المعتادين لم يقرأوا جيداً قبل ساعات في أبعاد وأعماق ودلائل بيان حركة “أمل”، التي تتقدم في تحالفها مع “حزب الله” والسيد حسن نصرالله، على التحالف مع “العهد القوي”، وخصوصاً عندما بدا ان هذا البيان يناقض كلام نصرالله عن الحكومة، وليس من عاقل ومتأملٍ سياسياً، يمكن ان يصدّق ان الرئيس نبيه بري قرر ان يناقض حليفه الروحي نصرالله، ما لم يكونا متفقين على قطبة مخفية وذكية وبعيدة المدى تصل الى “ما بعد بعد البترون واهل البترون”… طبعاً مفهوم!

وهكذا ومن منطلق سيكولوجيا الكلام المرتجل، ترجح كفة الصدق في قول الحريري مغتاظاً: “الرئيس المكلف ليس عمله ان يقوم بتعبئة أوراق من قِبل أحد”، وبما جعل الكثيرين يصدقون فعلاً ان عون ارسل اليه مساء الأحد ورقة تتضمن خانات ليملأها بأسماء الوزراء والحقائب ومرجعية تسميتهم، ربما لأن عون إفترض ان “الحبر السياسي” بات متوافراً بعد خطاب السيد نصرالله، ولكن العتب انهم لم يعرفوا كيف يقرأون في حبر نبيه بري غير المنظور!

الحريري قال ان الورقة تتضمن ثلثاً معطلاً لفريق عون السياسي بـ 18 او 20 او 22 وزيراً، ويكشف التدقيق في الخلفية السياسية للأسماء، بغضّ النظر عن التقنية والإختصاص والكفاءة، انها فعلاً صيغة ثلث معطل حفراً وتنزيلاً، فنحن في لبنان نعرف بعضنا بعضاً مثل نسوان التنّور!

وعندما يقول الحريري: تشكيلتي لديه منذ 100 يوم، ولهذا اعتبرتُ رسالته كأنها لم تكن وقد أعدتها اليه وابلغته انني سأحتفظ بنسخة منها للتاريخ، فلسنا ندري أي تاريخ بعد اليوم. صحيح ان عون رد بالقول ان ما ارسله ما هو إلا هو قصة أربعة أعمدة لتعبئتها ولكأن القصة قصة اخراج صحافي، ولكن الحريري قدم الأسماء وبعبدا قدمت الأعمدة!

والخلاصة سيدي، اننا لم نعد امام ازمة حكومة ولا ازمة حكم، ولا ازمة عهد، ولا ازمة مصير بلد، بل ازمة حياة وموت، فالقتال دائر بين المسؤولين على الثلث المعطل وما بقي من ودائع الناس، والقتال محتدم في كل زاوية على غالون زيت او رغيف خبز، وهو ما لا يحصل حتى في جهنم التي بشّرنا بها فخامة العماد الرئيس ميشال عون … فشكراً لكم!