مقايضة الخارج مقابل إبعاد الحريري!

روزانا بومنصف – النهار

اذا كان من دلالة مهمة للاتصال الذي اجراه الامين العام للامم المتحدة انطونيو غوتيريس بالبطريرك الماروني بشارة الراعي على اثر احباط تأليف الحكومة وفق للسيناريو الذي شهده اللبنانيون في اليومين الماضيين، فهي ان المجتمع الدولي القلق على لبنان من اداء السلطة فيه قد تفتح بابا او نافذة على احتمال ايلاء اهتمام اكبر للمبادىء الى اعلنتها بكركي حول الحياد والمؤتمر الدولي. وهذا قد يغدو امرا لا مفر منه في ظل الغضب الفرنسي والقلق الفاتيكاني والاوروبي وصولا الى الجامعة العربية بحيث يغدو السؤال مشروعا ما اذا كان اهل السلطة يدفعون في اتجاه التدويل فيما يعلنون رفضه. والرمزية التي يكتسبها هذا الاتصال مبنية على ان محوره هو البطريرك الماروني وليس السلطة اللبنانية من دون ان يلغي تعاطي الامم المتحدة مع الدولة وان هناك قلقا قد يبرز ازمة لبنان من ضمن الاولويات من باب الامم المتحدة بالذات اضافة الى ان ما يطرحه البطريرك ليس سورياليا او خارج اطار الممكن ازاء ما يعصف بلبنان من انهيار مخيف بحيث يمكن ان يشكل هذا الاتصال في لحظة ما منعطفا مهما بالنسبة الى مسار الازمة الراهنة. فالاداء الذي قدمه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والمحيطون به في الايام القليلة الماضية احدث مفاعيل سلبية في اتجاهات متعددة لم تكن بعيدة عن بكركي التي لم تخف استياءها حيث سرب قصر بعبدا فيديو لرئيس الجمهورية يتهم رئيس الحكومة بالكذب وطلب انذاك من رئيس الجمهورية المبادرة الى الاتصال برئيس الحكومة المكلف على سبيل الاعتذار الضمني ومن المرجح انها انزعجت من المقاربة التي اعتمدها عون بين زيارتي الحريري وكيفية التوجه الى رئيس الحكومة المكللف كما كيفية مخاطبته. وهو اداء لا يبرره القول ان هذه طبيعة عون بمعنى انه يجب توقع امور مماثلة فهو رئيس الجمهورية واقسم على حماية الدستور وليس على تجاوزه وما يمكن ان يحمله ذلك من مخاطر على استهداف التركيبة السياسية للجمهورية اللبنانية لا بل كان مفاجئا لا بل صاعقا للجميع كما في محاولة الهروب الى الامام في التبريرات التي قدمها اعلامه.




اذ تفاوت الاداء الاخير الذي تمثل في ارسال لائحة للرئيس المكلف وما تضمنته الى جانب الاسلوب بين الغضب والرفض حتى لدى المسيحيين ممن يدعي فريق الرئاسة الدفاع عنهم نتيجة اداء قد يستدرج انقساما طائفيا خطيرا في البلداو يراد منه استدراج انقسام او اصطفاف طائفي يمكن او يوظف شعبويا. وهذه النقطة بالذات كانت محور تواصل مع رؤساء الحكومات السابقين قبيل اجتماعهم بضرورة تظهير موقف بعيدا من الانزلاق الى خطاب طائفي يريده فريق رئيس الجمهورية الذي دعا سفراء الى بعبدا من اجل تبرير اداءه ومن بينها ما سبق ان نقله موفد رئاسي الى السفير السعودي وليد البخاري بتسمية المملكة من تريده رئيسا للحكومة في مقابل الاستغناء عن الرئيس المكلف الذي يروج العهد على ذمة العارفين، ان المملكة لا تريده باعتبار انها لم تستقبله حتى الان كما لا يريده عون ويريد بديلا منه. وهو يؤشر الى مدى تصميم عون في السعي الى استبعاد الحريري، وهو امر لن يصرف وفق اعتقاد كثر ما لم يكن رئيس الجمهورية سيبيع المملكة التخلي كليا وجديا عن تفاهم مار مخايل مع “حزب الله” وليس كلاما فقط، والابتعاد عنه لمصلحة ان يستعيد موقع الرئاسة حياد لبنان وابتعاده عن المحور الايراني. وكما الاستغراب السابق من ان يطلب عون من المملكة ان تختار او تسمي رئيسا للحكومة العتيدة في تجاوز خطير لمبدأ السيادة التي اقسم على حمايتها في ظل سؤال كبير حول تجاوزه مجلس النواب والطائفة السنية فيما عطل البلد لسنوات بذريعة انه هو من يمثل المسيحيين وحقه في الوصول الى الرئاسة الاولى بهذه الذريعة. وكان لافتا بيان السفير السعودي بعد لقائه الرئيس عون حيال تأكيد القرارات الدولية بما فيها القرار 1559 والتمسك باتفاق الطائف وسيادة لبنان وقد كرركلمة سيادة 4 مرات في كلمته القصيرة مؤكدا احترام بلاده سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها. وتعرف الدول المؤثرة جميعها الرئيس عون وتجربته في 1989 كما تدرك ان المغزى في هذه المحاولات الراهنة هو السعي الى مقايضة الخارج على تأليف حكومة وتاليا منع الانهيار في مقابل ابعاد الحريري عن رئاسة الحكومة العتيدة ما دامت تبعد صهره جبران باسيل قسرا عنها. السؤال هو هل تقبل هذه الدول هذه المقايضة تحت وطأة المخاوف من المزيد من الانهيار والفقر في لبنان في ظل عدم تحديد للخارجية الاميركية وفق بيانها الاخير لاي نوع حكومة بل الى حكومة وكذلك دول متعددة لا تدخل في تحديد تأليف حكومة مهمة انقاذية؟

يعتبر البعض انه في مكان ما هناك تجاهل او اهمال رئاسي لواقع ان تصلب الحريري وعدم مرونته الكبيرة التي اعتبرت نقطة ضعفه في اعوام سابقة على قاعدة ان فريقه هو “ام الصبي” يخاطب ما تريد ان تراه الدول الخليجية والعربية في موقع رئاسة الحكومة وعدم الخضوع لاملاءات او ارادات الافرقاء الاخرين حتى لو لم تطلبه فكيف اذا كانت فعلت. واسترداده ما خسره من دعم عربي في وقت سابق يستند بقوة على ذلك. فيما ان هناك رسائل تلقاها اكثر من طرف تفيد بان مشكلة عون هي مشكلته وليست مشكلة “حزب الله” وان كان لا يردعه او يضغط عليه من اجل تسهيل تأليف الحكومة اذ انه حليف ويحتاج اليه الحزب والى تفاهم مار مخايل للاقلاع بالوضع في لبنان ولكنه في مكان ما بات يعرقل العلاقات مع الطراف الاخرين ويشكل عبئا في حد ذاته من دون ان يعني ذلك التخلي عنه.