//Put this in the section //Vbout Automation

صيغة نصرالله “التكنو-سياسية”: تعويم التحاصص وضرب الإصلاح

مجد بو مجاهد – النهار

استغرقت مهمّة #”حزب الله” ما يقارب سبعة أشهر من “قطع الطريق” أمام السرايا الحكومية بغية حفر ورشة انعطافته الانقلابيّة عن مسار المبادرة الفرنسيّة الإنقاذيّة المتمثّلة بتشكيل حكومة مهمّة من وجوه اختصاصيّة غير حزبيّة بهدف تفعيل ورشة إصلاحيّة عاجلة تساهم في فرملة الانهيار الاقتصاديّ. كتب “الحزب” اللافتة التحذيريّة الأولى بلغة “وزارة المال خطّ أحمر” ما سبّب استقالة الرئيس المكلّف مصطفى أديب، مع إبقائه على خطاب متلازم مع “حكومة المهمّة” حينذاك. ويُذكَر تصريح النائب محمد رعد في 13 تشرين الثاني 2020، عندما شدّد على “استمرار المبادرة الفرنسيّة وضرورة التزام الحكومة الجديدة تنفيذ بنود الورقة الاصلاحية التي تمّ الاتفاق عليها في قصر الصنوبر، معتبراً “أننّا مسؤولون قدر المستطاع عن الإسراع في تشكيل الحكومة”. تبدّل كلّ شيء الأسبوع الماضي. اكتمل تشييد منعطف الموقف بعد أشهر المراوحة في خطاب الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله الذي فرمل حدّة تصريحه بمكابح عبارات تخفيفية ضمنت له الانتقال السهل إلى خطٍّ موازٍ؛ فقال: “أعيدوا النظر في هذا الموضوع وأنا تكلّمت في المرّة الماضية في موضوع الحكومة والعدد، أنا اليوم أتكلّم بطبيعة الحكومة. بماهيّتها، بهويّتها. ولتأتي القوى السياسية تتحمل المسؤولية معك (متوجّها إلى الرئيس المكلّف سعد الحريري)، شكِّل حكومة سياسية، حكومة تكنو-سياسية”.




تُطرح علامات استفهام كبيرة حول أسباب عودة الترويج إلى صيغ قديمة (الحكومة السياسية) التي تذكّر بمرحلة ما قبل الانتفاضة اللبنانية، وهي مرحلة لم تشهد أيّ ترجمة إصلاحيّة رغم التحذيرات الدوليّة التي حضّت القوى اللبنانية على تنفيذ الإصلاحات قبل الانهيار. ويستوجب استطلاع بنود المبادرة الانقاذيّة إعادة طرح سؤال علميّ حول ما إذا كان “حزب الله” يقبل فعلاً بها عندما تحين “لحظة الجدّ”، وهل يفسّر ذلك سبب مطالبته بالحكومة السياسية؟

في استطلاع البنود الاصلاحية، تتبلور التساؤلات الآتية:

أوّلاً، هل فعلاً يقبل “حزب الله” بإعداد الدراسة اللازمة لإعادة إعمار مرفأ بيروت تمهيداً لاستدراج عروض من القطاع الخاص على طريقة BOT؟

ثانياً، هل يحبّذ “الحزب” إجراء تحقيق محايد ومستقلّ لتبيان الحقيقة الكاملة في ما يتعلّق بأسباب انفجار مرفأ بيروت وإطلاع اللبنانيين عليه، بعدما كان نصرالله استعجل البتّ بالتحقيق ودعا إلى المباشرة في تقديم التعويضات؟

ثالثاً، هل كان “الحزب” ليوافق فعلياً على التدابير والإجراءات الاصلاحية والوقائية التي يطلبها #صندوق النقد الدوليّ، في وقت وجّه نصرالله سهام خطابه الأخير إلى “الصندوق” عبر تظهيره لوجهة النظر المشكّكة بالشروط في قوله (هل هذه الشروط مناسبة للبنان أم أنها تكسر البلد) ودعوته المتكرّرة إلى التوجّه شرقاً؟

رابعاً، هل يسير “حزب الله” عندما تدقّ ساعة الجدّ بالحوكمة المالية والقضائية بعد تغلغله العميق في مفاصل الدولة؟

خامساً، هل من مصلحة “الحزب” إعداد المسح الوظيفيّ الشامل للإدارة العامة بعدما بات شريكاً أساسيّاً في تقسيم قالب جبنة التعيينات والوظائف على صعيد مؤسسات الدولة بعدما انخرط رسميّاً في الحكومات المتعاقبة والمؤسسات العامة؟
سادساً، هل يتنازل عن الحدود المشرّعة التي تعتبر الورقة الأكبر بين يديه ويقبل بمكافحة الفساد والتهريب وتطبيق الاصلاحات الجمركيّة ومراقبة كلّ “شاردة وواردة” في المرافق والمعابر (البريّة والبحريّة والجويّة) من خلال الماسحات الضوئيّة والإجراءات العلمية والعملانيّة الجديّة؟

إلى ذلك، ترى مصادر مصرفيّة رفيعة لـ”النهار” أن الاصلاحات الاقتصادية والمالية المطلوبة من لبنان تتطلّب جهداً استثنائياً لم يسبق للطبقة السياسية اللبنانية أن استطاعت اتّخاذه قبل سنوات بسبب الاصطدام بأكثر من مسألة؛ أوّلها المصالح الشخصية المرتبطة بتسريح موظفين محسوبين من مؤسسات الدولة، وثانيها الحاجة إلى قرار سياسي موحّد فيما كانت الإصلاحات تتعطّل في الحكومات السابقة بسبب الخلافات السياسية على مسائل مصلحيّة أو شخصيّة، وثالثها أن القرارات الاصلاحية غير شعبيّة ما يجعل الأحزاب تخشى ردّة فعل جمهورها منها. يأتي ذلك في وقت تشهد البلاد خلافات تصاعديّة بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف؛ فكيف، والحال هذه، إذا سلّمنا بحكومة سياسية تضاف إليها خلافات جميع الأحزاب على طاولة مجلس الوزراء؟

وتنطلق المصادر من هذه المقاربة لتلفت إلى أنّ الحكومة بصيغة سياسية أو “تكنو-سياسية” لن تستطيع اتخاذ قرارات جراحية إصلاحية، ولو أنّها كذلك لكانت استطاعت أن تترجم الاصلاحات قبل سنوات، مع الاشارة إلى أنّ تشكيل حكومة بصيغة “التكنوقراط” ستكون أمام تحديّات كبرى أيضاً إذا لم تحصل على صلاحيات استثنائية تسمح لها العمل من دون الاصطدام بمجلس النواب، باعتبار أن تنفيذ القرارات يحتاج رؤية موحّدة من أعضاء الحكومة ولأّنها قرارات تحتاج جرأة ومعرفة وقدرة في آن. ومن هنا، تكمن كلمة السرّ في ضرورة تشكيل حكومة متخصّصة مع تفضيل حصولها على صلاحيات استثنائيّة. وتخلص المصادر إلى أنّ تنفيذ خطّة عمل إصلاحية في وقت وصلت فيه البلاد إلى حالة غير مسبوقة من الاهتراء، مسألة تتطلّب قرارات جريئة جدّاً، وفي ظلّ استعصاء تشكيل حكومة يبقى الخيار الأفضل الاتجاه إلى خيار الانتخابات النيابية المبكرة الذي يساهم في إشراك الناس بتحديد خريطة طريق البلد بعد تبدّل المزاج الشعبي في انتفاضة 2019.