لبنان في “محور الفقر”

حسين عبدالحسين – الحرة

لبنان في حالة انهيار شامل. المشكلة، حسب غالبية مواطنيه، هي فساد مسؤوليه وسياسييه الذين أفرغوا خزائن الدولة وجيوب ناسها. أما الحل، حسب الغالبية، فيكمن في استبدال المسؤولين الفاسدين بمسؤولين “أوادم”.




لكن مشكلة لبنان ليست في سياسييه، بل في سياساته، وسياساته لا يمكن إصلاحها بأوراق بحثية، بل تتطلب تغييرا في ثقافة اللبنانيين السياسية، وإقناعهم بمدى ارتباط السياسة بالاقتصاد وبمدى انعكاس مواقفهم العقائدية على مستوى معيشتهم.

على اللبنانيين إدراك أن الإصلاح الإداري، واستعادة الأملاك البحرية، ووقف الهدر والفساد، على أهميتها، لا تؤثر فعليا في اقتصاد لبنان، بل هي تمنح الأجانب ثقة بالاستثمار في دولة يسود فيها حكم القانون.

ومن عوامل الثقة لاستقطاب المستثمرين وأموالهم هو السلام، بما في ذلك مع إسرائيل، أو الاستسلام كما يحلو لأنصار “المقاومة” تسميته. والسلام لا يعني أن دول العالم ستتصدق على اللبنانيين بأموالها، بل يعني أنه سيعزز الثقة باستقرار لبنان، ويقدم للبنان شركاء اقتصاديين أكثر.

ومصلحة الدول تشبه مصلحة الأفراد. الأفراد يسعون لاقامة أوسع شبكة علاقات مع نظرائهم في المهنة، خصوصا مع النافذين والمتمولين منهم، وكذلك الدول، تسعى لمعاهدات تجارية ودبلوماسية وتحالفات مع دول أخرى، خصوصا ذات الاقتصادات الكبيرة والمزدهرة، وذلك بهدف زيادة حجم التجارة معها. ويندر أن يلتفت الأفراد، كما الدول، إلى الهامشيين في المهنة أو إلى الدول ذات الاقتصادات المتهالكة التي لا يمكن جني الكثير من التحالف معها.

في حالة “الدولة المقاومة” السائدة في لبنان، يتباهى اللبنانيون بعدائهم لأكبر الاقتصادات العالمية، مثل أميركا وأوروبا، وكذلك عدائهم لأكبر الاقتصادات والأسواق الاقليمية، مثل السعودية، التي يبلغ حجم اقتصادها 30 ضعف حجم نظيره اللبناني، والإمارات وإسرائيل، التي يبلغ حجم اقتصاد كل منهما 15 ضعف الاقتصاد اللبناني.

ويصر مرشد إيران، علي خامنئي، على إقامة منظومة يسميها “اقتصاد المقاومة”، فيها إيران والعراق وسوريا ولبنان، والتي لا يبلغ حجم اقتصاداتها مجتمعة حجم اقتصاد السعودية وحدها.

واستحالة تعايش “المقاومة” مع الاقتصاد الحر سببه أن رأس المال يحب الاستقرار والأمن، ويكره الحروب. ومع سيطرة نموذج الميليشيا والحروب على لبنان، ابتعد عنه رأس المال وعملاته الأجنبية، وراح لبنان يعيش بالاستدانة دون نمو اقتصادي منذ اغتيال رفيق الحريري، حتى وصل نهاية المطاف، وبدأ مشواره في التدحرج نحو الهاوية. والاستدانة وحدها ليست مشكلة، والفساد وحده ليس مشكلة. لكن في غياب النمو الاقتصادي بسبب ترسانة “حزب الله”، تصبح كل أزمة كارثة.

والدول مثل الأفراد لناحية التخصص. في زمننا هذا، لا يمكن لأي منا العيش باكتفاء ذاتي، بل يعمل كل منا ويجني، وينفق على ما يحتاجه ولا ينتجه. ولكل شعب عناصر تفوق اقتصادية تسمح له بالمنافسة عالميا وجني عائدات، ثم استخدامها لاستيراد ما يحتاجه. أما تحذيرات جبران خليل جبران من “الويل” للأمة التي تأكل مما لا تزرع،“ فنظرية في الشعر لا في الاقتصاد.

خيارات لبنان اليوم هي إما أن يكون كالأردن، يعيش بسلام مع كل دول الجوار بما فيها إسرائيل وينعم باقتصاد مقبول، وإن لم يكن عظيما، أو يكون كسوريا، المنهارة التي تصدّر أدمغتها إلى دول العالم الناجحة لتستورد مكانها الإرهابيين من الدول الفاشلة.

على أن من يطالع النقاش اللبناني المرافق للانهيار الحاصل، بالكاد يسمع كيف يؤثر تحويل لبنان إلى قاعدة صاروخية إيرانية على انعدام ثقة المستثمرين الأجانب بالبلاد، وإلى انخفاض التحويلات، وتراجع التنافسية الإقليمية لقطاع الخدمات اللبناني، كالمصارف وشركات الهندسة والمستشفيات والجامعات.

والنقاش السياسي اللبناني غالبا ثرثرة صالونات، فيها أن الحل يكمن في تشكيل حكومة تقود البلاد إلى الخلاص. ثم ينهمك اللبنانيون في استعراض مَن مِن الزعماء يقبل أيا من الحقائب، ومَن مِن الشخصيات يوافق على توزير شخصيات منافسة.

وفي خضم الثرثرة اللبنانية يغيب التواضع، ففي رأي اللبنانيين أنهم وبلادهم محور اهتمام العالم. هكذا، يدعو بطريرك الموارنة، بشارة الراعي، إلى تدويل الأزمة اللبنانية، فيرد عليه زعيم “حزب الله” حسن نصرالله، برفض التدويل. على أن ما لا يراه اللبنانيون هو أن بلادهم لا تتمتع بأهمية استراتيجية تستوجب التدويل، وأن التدويل ليس خيارا ينتظر القرار الدولي، بل هو فكرة خيالية غير واقعية وغير مسبوقة.

والتدويل هو انتداب في عالم لم تعد فيه الإمبراطوريات مهتمة بحكم شعوب أخرى ودول فاشلة، بل تنهمك كل منها بشعبها وفشلها. صحيح أن لقوى مثل الولايات المتحدة قدرة على إنقاذ لبنان، لكن لماذا تنقذه؟

في الماضي، كان هدف إنقاذ الدول الفاشلة منع وقوعها تحت تأثير السوفييت وتحولها شيوعية، وفي وقت لاحق، حاولت أميركا إصلاح دول فاشلة كأفغانستان والعراق لتجفيف منابع الإرهاب. لكن مع نهاية الشيوعية والإرهاب، لم يعد لدى الغرب سبب لإنفاق أي أموال لإصلاح الدول الفاشلة كلبنان وسوريا.

حتى الشركات الدولية الخاصة لن تستثمر في دول لا أمان فيها كلبنان، وهو ما حصل في العراق مع شركة شيفرون الأميركية العملاقة للنفط، التي تخلت عن حقل ضخم بسبب غياب الأمن الذي قلّص من أرباح الشركة حتى قضى عليها، فرحلت، قبل أن تعود إليه بعد عقد مع استقرار الأمن نسبيا.

في نفس الوقت منحت إيران شركة توتال الفرنسية عقود تطوير واستخراج نفط حقل بارس الجنوبي. أما في الخطاب الخيالي لـ “محور المقاومة”، سبب حرب العراق هو جشع أميركا النفطي تجاه آبار العراق، فيما إيران لا تتعاون مع الاستكبار ولا شركاته النفطية.

لن تأتي الأمم المتحدة لإنقاذ لبنان. جلّ ما سيفعله العالم هو مساعدة لبنان في إدارة أزمته حتى لا تنفجر الأمور إنسانيا وتتسبب بموجات نزوح إلى أوروبا. عدا عن ذلك، سيشاهد العالم لبنان يتلاشى، وسيواصل العالم اسداء النصائح حول الحوكمة الرشيدة، ويقدم دراسات اقتصادية ومساعدات محدودة.

والدراسات الغربية لا قيمة لها، إذ هي غالبا أكاديمية منفصلة عن الواقع، تدعو مثلا إلى إصلاح المرفأ، وكأن الإصلاح لا يتطلب أكثر من قرار. بعد انفجار مرفأ بيروت في أغسطس، طالب العالم واللبنانيون بتحقيقات للكشف عن المسؤولين. بعد أشهر، تعرض أحد الشهود لعملية اغتيال، فيما أطاحت الدولة بالقاضي الذي استدعى بعض الكبار إلى تحقيقات. انتهى التحقيق في المرفأ، وهكذا سيكون مصير إصلاحه أو إصلاح أي مؤسسة في الدولة.

اليوم، يمكن للبنانيين المتمسكين بالصمود البقاء في “محور الفقر” المعروف بـ “محور المقاومة”. أما من يسعون لعيش كريم، فلبنان تلاشى ولم يعد أمامهم إلا الرحيل.