//Put this in the section //Vbout Automation

بعد 37 عاما على “أعطونا السلام”.. الخوف والقلق يحاصران أطفال لبنان

37 عاما مرت على وقوف الطفلة (في حينها) ريمي بندلي، خلال عشاء في القصر الجمهوري اللبناني، أمام الرئيس السابق، أمين الجميل، ووفود عربية وأجنبية، لتؤدي في حينها الأغنية الشهيرة التي نقلت عبرها رسالة أطفال لبنان الذين يعيشون الحرب الأهلية إلى العالم بـ3 لغات وكلمات بسيطة، طلبت فيها “أعطونا الطفولة.. أعطونا السلام”.

انتهت الحرب الأهلية، لم تعد ريمي طفلة اليوم، لكن صوتها الطفولي لا يزال يتردد صداه مع الأطفال في لبنان، جيلا بعد جيل حتى اليوم، حيث لا تزال “الطفولة والسلام” عملة نادرة يفتقدها الأطفال في عيدهم الذي حل بالأمس (22 مارس) في لبنان.




موقع “الحرة” أجرى مقابلات مع أطفال من لبنان وذويهم بالمناسبة، في سبيل رصد تأثير أسوأ أزمة معيشية اجتماعية واقتصادية تعاني منها البلاد في تاريخها، على الأطفال ونوعية حياتهم وصحتهم النفسية، إضافة إلى تداعيات الحجر المنزلي المفروض في لبنان على سلوكهم ونشأتهم.

أطفال يخافون من الدولار

ارتفاع الدولار في لبنان يشغل بال الكبار والصغار. أرشيفية
ارتفاع الدولار في لبنان يشغل بال الكبار والصغار. أرشيفية

يشعر عيسى (13 عاما) بالخوف والقلق في سريره قبل أن يستسلم للنوم مساء، يقول “أخاف من أصحو على مزيد من الارتفاع في الدولار، المنزل كله يعيش خوفا من ارتفاع الدولار، لا أعرف لماذا أو كيف يحصل ذلك، ولكن تصبح الأمور أسوأ حين يرتفع الدولار، أشعر أن كل هذه الأمور أكبر من عمري وقدرتي على فهمها ومع ذلك أخاف منها لأنني أرى كيف تؤثر، وأتمنى كل يوم ان ينخفض، فمنذ ان ارتفع تغيرت حياتنا.”

وبلغ الدولار مستويات قياسية مع انهيار الليرة اللبنانية ليبلغ عتبة الـ15 ألف ليرة بعد أن كان 1500 مطلع العام الماضي، انخفضت القدرة الشرائية للعملة اللبنانية دون أي تعديل أو زيادة في الرواتب، حيث بات يبلغ الحد الأدنى للأجور نحو 50 دولار في الشهر.

“كانت الألف ليرة تشتري لي الكثير من الأشياء، الآن الألف ليرة لا شيء لا تشتري حتى لوح شوكولا من النوعية الرديئة.” يقول عيسى مشيرا إلى أن فكرة المصروف اليومي ما عادت موجودة في ظل الحجر المنزلي، “إن احتجت لشيء آخذ ثمنه.”

يضحك لدى سؤالنا عن رقم المصروف الذي يحتاجه اليوم، “30 ألف ليرة والله لست أمزح، احسبهم معي 10 آلاف لكيسي شيبس، 5000 لتنكة مشروبات غازية، 10 آلاف ثمن الشوكولا الذي اعتدت سابقا شراءه، 5000 ليرة لأي شيء آخر كالبون بون أو المكسرات، هذا ما كنا نشتريه بـ3 آلاف ليرة فقط، أتمنى كل يوم أن نعود كما كنا وأن يخفضوا الأسعار، لا أستطيع شراء ما يخطر على بالي واشتهيه حتى الألعاب باتت أغلى بكثير ولا نستطيع الخروج واللعب.”

عيد بلا هدايا

الأطفال في لبنان يتشاركون مع أهاليهم هموم الحياة . أرشيفية
الأطفال في لبنان يتشاركون مع أهاليهم هموم الحياة . أرشيفية

لم تحصل ريم هذا العام على هدية في عيد الطفل، تمازحنا والدتها “لا تخبروها بأن عيد الطفل قد حل اسألوها عموما، لم أستطع أن أحضر لها هدية هذا العام كالعام الماضي. معظم الناس نسيت أو تناست عيد الطفل هذا العام هربا من تكاليفه لاسيما وأنه يأتي مع عيد الأم المكلف أصلا ويعتبر من الكماليات التي تهرب الناس منها، الهدية التي كان سعرها 15 ألف ليرة باتت 150 ألفا فيما الرواتب هي نفسها، ليس الموضوع قلة إمكانات مادية فقط، بل أيضا ضغوطات نفسية وهموم ومشاغل فكرية تأخذ من القدرة على الاهتمام بهذه المناسبات والتفاصيل.

يسخر كريم من أهله حين يعطونه ما اعتادوا عليه من مصروف يومي، ويحفظ يوميا تحديثات الأسعار التي تطرأ على مشترياته وكل يوم يعبر عن صدمته بالأسعار المرتفعة. تقول شقيقته يارا “منذ فترة طلب كريب، فانصدم بأن ثمنها بات 15 ألف ليرة، وقال من تلقاء نفسه: لن أستطيع أكلها إلا مرة في الشهر، يجد الأطفال البدائل لكنهم دائما يعيشون الصدمة على قياسهم”.

لم يكن يعرف ولا يقدر كريم من قبل قيمة ألعابه “الآن بالنسبة له باتت الدراجة “بيغ ديل” (مهمة جدا)، كان من قبل يحصل كل صيف على دراجة جديدة ما عادت اليوم ضمن إمكانات العائلة، فأصبح يدرك قيمتها أكثر ويعدنا بأنه سيكون حريصا عليها هذه المرة لأنه لن يحصل على غيرها بسهولة. حتى أنه بات يخترع كريم ألعابه بنفسه للتسلية، يتعلم كيف يعيد تدوير الأمور المهملة والمرمية في المنزل ليتسلى بها مع أصدقائه.

أطفال يشعرون بالذنب

شارك العديد من الأطفال في تظاهرات لبنان الأخيرة
شارك العديد من الأطفال في تظاهرات لبنان الأخيرة

تشعر ريم بالذنب تجاه والدها، ترفض أن يخرج من المنزل للعمل في ظل كورونا تقول “لدينا كثير من الأكل في المنزل لا داعي لأن يعمل بعد فليبقى في المنزل.” ترفض هي أيضا الخروج من المنزل عرضت عليها والدتها الذهاب إلى مركز ترفيهي تحبه جدا في بيروت بدأت تبكي وتعبر عن انزعاجها من الاختلاط بالناس ولا تتحمس للخروج مع الأصدقاء، حتى أنها تشعر بوهج الأزمة الاقتصادية، تسأل عن الأسعار وإن شعرت بأن التكلفة عالية تخجل وتتخلى عما تريده.

ترى المعالجة والاختصاصية في التحليل النفسي، دارين صالح، أن “الحجر الصحي ولد نوعا من تلازم الولد للأهل بشكل مباشر في أحاديثهم وجلساتهم، عملهم ونشاطاتهم، بات يخترق خصوصيتهم ويطلع على معاناتهم وهمومهم المعيشية، وبات الأطفال يشعرون بالعبء المادي والضغط الاقتصادي، الذي ينتقل إليهم ويؤثر على ذهنيتهم ونفسيتهم بشكل سلبي وينعكس في تعاطيهم مع حاجاتهم ومتطلباتهم سواء مشترياتهم أم ألعابهم آم ملابسهم أو غيرها.”

وتضيف صالح “حتى خروجهم من المنزل للعب أو التسلية بات مرتبطا في أذهانهم بالتكلفة المادية لهذا الترفيه الذي يلمسونه في حسابات الأهل وقدراتهم الاقتصادية، وبالتالي بات العبء على كاهل الأطفال بطريقة مباشرة حيث يشعر الطفل اليوم بأنه مسؤول أو شريك بالمسؤولية مع الأهل مما يعرضه لضغط نفسي إضافي يصل إلى حد الشعور بالذنب. هذا الشعور بالذنب يخلق لديهم ردود فعل عدوانية يفرغونها في محيطهم سواء أخوتهم أو أهلهم أو أصدقائهم، أو من خلال التسرب من التعليم وعدم التركيز واللامبالاة بالشق الأكاديمي”.

التعليم يتحول إلى معاناة

التعليم عن بعد أسوأ ما أصاب أطفال لبنان. أرشيفية
التعليم عن بعد أسوأ ما أصاب أطفال لبنان. أرشيفية

يتفق كل من عيسى وريم وكريم ومن خلفهم الأهل على أن التعليم عن بعد هو أسوأ ما حصل خلال العام، يقول عيسى “التعليم من البيت أصعب والتعامل مع المنصات مقرف، في المدرسة كنت أفهم دروسي أكثر، كنت أسأل أصدقائي عن التفاصيل التي لا أفهمها أو نتناقش في الصف فنستوعب أكثر، اليوم في المنزل نجلس أمام الشاشات ولا نفهم شيئاً.”

أما كريم، فيعاني من صعوبة في التركيز ولم ينجح في اعتياد الدراسة في المنزل، “لم يقبضها بشكل جدي” بحسب شقيقته. فيما تكشف والدة ريم أنها اضطرت مؤخرا ومثلها صديقاتها إلى حلّ امتحانات أولادهم بأنفسهم وإرسالها توفيرا للجهد والتعب النفسي الذي بات يصيب الأهل بسبب التعليم عن بعد.

تؤكد صالح أن “حتى الأهل اليوم لم يعودوا قادرين على المتابعة، تعبوا في ظل كل ما يتعرضون له من ضغوطات اقتصادية اجتماعية ونفسية، إلى حد بات يدفعهم إلى التراخي مع أولادهم ولم يعودوا بالجدية نفسها التي بدأوا بها تعاملهم في بداية فترة الحجر الصحي مع أطفالهم، وهذا الأمر له انعكاسه على الأطفال أيضاً وسلوكهم.”

لم يحصل عيسى على كل مستلزمات التعليم عن بعد في البداية، “بدأت عبر الهاتف على أساس أن فترة الحجر ستكون قصيرة، بعدها اضطر أهلي لشراء لابتوب كي أدرس عبره وكانت الأسعار قد بدأت ترتفع جدا، عجزوا عن تمديد اشتراك الإنترنت حيث التكلفة باتت بالدولار وبقيت أدرس عبر الـ”3G” وأحيانا ينقطع الإنترنت أو ينتهي الحد الأقصى فانتظر إلى أن يتم الشحن مجددا، أزعجني هذا الأمر من ناحية أنني خسرت علامات في بعض الأحيان بسبب هذه المشاكل، وتضايقت نفسيا لأنني أريد تحصيل كل العلامات، وشعرت أيضاً أن تعليمي بات عبئا أكبر على العائلة ومكلفاً أكثر”.

منظمة save the children أجرت بين شهري أكتوبر وديسمبر تقييم احتياجات، لوضع الأطفال والمراهقين لاسيما الفتيات والمعوقين لكونهم المجموعات الأكثر تأثرا من غيرهم، وشملت العينة 5 مناطق من لبنان.

تقول المتحدثة باسم المنظمة، فرح سلهب، “تبين لنا أن الكثير من الأشخاص كانوا يعبرون عن صعوبة في متابعة دروسهم عن بعد ببساطة بسبب نقص في اللوجستيات والتقنيات المتعلقة بالتعليم عن بعد، هناك عائلات غير قادرة على تأمين خدمات الإنترنت اللازمة أو الهواتف الذكية المطلوبة أو أجهزة الكومبيوتر، كل هذه المعدات المستوردة باتت أسعارها خيالية اليوم.

طفولة افتراضية وازمات نفسية

أطفال لبنان يبحثون عن السعادة وسط الدمار. أرشيفية
أطفال لبنان يبحثون عن السعادة وسط الدمار. أرشيفية

“اشتاق لرفاقي في المدرسة، أصبح تواصلنا عبر الهاتف وأونلاين. ولكن حين أخرج إلى ضوء الشمس أشعر بأنني غريب ولا أحب ان التقي بكثير من الناس أو الأصدقاء”، يقول عيسى، ويضيف “أكره ان أكون مجبرا على ارتداء الكمامة في الخارج، أتابع دراستي في المنزل وبعدها أبقي على الهاتف العب، أشاهد التلفاز وأجلس قليلا مع أهلي ثم أعود إلى شاشة الهاتف. اشتاق للحال التي كنا عليها من قبل، وأتمنى أن نعود لزيارة الأصدقاء والأقارب وأن يزورونا”.

تروي والدة ريم “جاءت قبل يومين ريم تسألني إذا كان الله موجوداً لماذا هناك كورونا ويحصل بنا كل ذلك”؟ إلى هذا الحد وصلوا وأكثر، باتت تخترع وتتخيل أصدقاء لها تقول أنهم من المدرسة وتتخيل أحداث لتخبرنا عنها في حين أنها في المنزل لا ترى أحد ولا تذهب إلى المدرسة.”

تشير صالح، في حديثها مع موقع “الحرة”، إلى أن “معظم الأولاد اليوم لجأوا إلى التكنولوجيا والألعاب الإلكترونية لملء وقت فراغهم الكبير، الأمر الذي يؤثر على مهارات التواصل لديهم مع محيطهم وعائلاتهم ويؤخر في تطور قدراتهم وإنتاجيتهم الذهنية والفكرية والنفسية، وهذا ما ينعكس على السلامة النفسية والجسدية لديهم، خاصة أن الأولاد لا يقومون بأنشطة تتطلب حركة، وليس لديهم تنظيم وقت وهذا ما يخترق الجهاز النفسي للطفل ويدفعه نحو سلوك متراخٍ قائم على الفوضى واللامبالاة والاستهتار لاسيما بالشق التعليمي والأكاديمي.”

من جهتها، تؤكد فرح أنه “خلال حديثنا مع الأطفال والمراهقين لمسنا حجم التأثير النفسي للأزمة عليهم بشكل سلبي، لاسيما وأنهم فقدوا روتينهم اليومي ومحيطهم الاجتماعي في المنزل والمدرسة إضافة إلى النمط الطبيعي للحياة الذي يضمن لهم حقوقهم كأطفال. وبحسب ما سجله العاملون الاجتماعيون وما استخلصناه من المناقشات، كان هناك حالات عبرت عن معاناتها من عوارض القلق، حالات خوف، فقدان النظام والروتين اليومي، حتى بعض الحالات تأثرت ثقة الأطفال بأنفسهم، لاسيما الفتيات وذوي الإعاقة”.

تلفت صالح إلى أن لبنان يتميز عن العالم بزيادة العوامل التي تؤثر سلباً على الصحة النفسية، “غياب الدولة يعني غياب النظام عموماَ والأزمة الاقتصادية تؤثر على الأسرة والأنظمة التربوية، وبالتالي كل ما يحيط بالطفل ويتعامل معه الطفل اليوم متأثر ومن الطبيعي أن ينعكس لدى الأطفال.

تسرب مدرسي وارتفاع في عمالة الأطفال

كل هذه الأعباء والضغوطات التي تتداخل بحياة الطفل وجهازه النفسي، إضافة إلى فوضى النظام التعليمي عن بعد، يؤدي بحسب صالح إلى “تسرب مدرسي سيؤثر في الأجيال القادمة على شكل أمية وتدني في المستويات التعليمية، لاسيما مع الضغوطات المادية التي بات يمثلها التعليم والحاجات المدرسية في لبنان والتي تدفع الأهل نحو تقبل أكبر لفكرة تسرب أبنائهم من التعليم لصالح الانخراط مبكرا في سوق العمل لمساعدة الأسر.”

لا يعرف عيسى ماذا سيفعل في حال استمر الأمر بهذه الطريقة، وبتعابيره البسيطة يقول “انتظر لأكبر بما فيه الكفاية كي أتمكن من العمل لأنتج مصروفي وأساعد أهلي، نحن أطفال لبنان نعاني من كل شيء ممل ومحزن وكل شيء “مش منيح”.

المناقشة التي أجرتهاsave the children ، أظهرت ارتفاعا كبيرا في توجه المراهقين والأطفال للانخراط في سوق العمل، “أي ارتفاع في عمالة الأطفال التي عادة ما لا تكون وفق ظروف مناسبة او صحية لهم. ومن المفارقات المتعلقة بالنوع الاجتماعي، فقد أظهرت المناقشة أيضا ارتفاع في الزيجات المبكرة للفتيات لاسيما بعد التدهور الاقتصادي في البلاد، وخصوصاً لدى الأسر التي تقارب الأمر من ناحية اقتصادية ترى في هذه الخطوة “ضمانة أفضل لمستقبل الفتاة”، بحسب اعتبارهم واعتبار المجتمع، وتخفيف من الأعباء المادية على الأسرة،” بحسب فرح.

كذلك يتبين، بحسب فرح، أن تأثير الحجر المنزلي والأوضاع الاقتصادية على الأطفال والمراهقين من ذوي الحاجات الخاصة كان أكبر من غيرهم، حيث يعانون بداية من الوصمة، وهم في نظر فئة كبيرة من المجتمع ومنهم بعض الأهل عاجزين عن القيام بأي دور أو عمل، بل يتطلبون الاهتمام فقط. هؤلاء حرموا خلال فترة الحجر الصحي من الأنشطة التي تستجيب لحاجاتهم وتعزز اندماجهم في المجتمع وكانوا الفئة الأكثر عرضة للتهميش حيث فقدوا كثيرا من حقوقهم وأبرزها التعليم الخاص بهم.

تختم صالح بالتأكيد على أن “المرحلة التي نمر بها اليوم مفصلية وصعبة جداً على الأهل وعلى الولد، إن لم نكن حريصين وواعين لخطورتها، إن لم تكن الدولة واعية لهذا الأمر، سيشكل مشكلة في السنين القادمة كما شهدنا بعد فترات الحرب الأهلية.


المصدر: الحرة