//Put this in the section //Vbout Automation

ما أصعب أن تكون رئيساً على شعبٍ يتمنّى غيابك…

قاسم يوسف – أساس ميديا

“أنتم تعرفون أنني ما اعتدت الإذعان والرضوخ”، يقول ميشال عون في متن آخر خطاباته المتلفزة. قبلها بأيام ردّد على مسامع الحاضرين في قصر بعبدا لازمته المستدامة: أنا ميشال عون، ما حدا يجرّبني، في العام 1990 رفضت أن أتنازل تحت ضغط المدفع والآن لن أتنازل تحت ضغط الدولار”.




لقد فهمنا الدرس يا فخامة الرئيس. نُقسم لك إنّنا حفظناه عن ظهر قلب. بتنا ندرك ونعلم ونعرف ونعترف أنّك عنيدٌ كالصخرة، بل وبطل العالم في العناد، وأنّك صلبٌ كالجبل، وفولاذيٌّ على سجيّة أولئك الذين يُسحقون ولا يُوقّعون. لا حاجة أن تُذكّرنا بهذه السمفونية عند كل مفترق. لا حاجة أن تؤكّد لنا المؤكّد. فنحن صرنا نعرفك جيداً، ولأننا نعرفك ونعرف عقلك وطبيعتك وطباعك وطريقة عملك وتفكيرك، فقدنا الأمل تماماً بمناشدتك. لكن لا بد من جردة حساب، ومن مكاشفة سريعة وصادقة.

أخبرنا يا فخامة الرئيس ما هو الإنجاز الوحيد الذي صنعته بعنادك، منذ حرب الإلغاء وحرب التحرير، مروراً بالنفي والعودة، وصولاً إلى مجمل التجربة السياسية ورئاسة الجمهورية؟

لا شيء. لا شيء على الإطلاق سوى المزيد من التعطيل والتخريب، والمزيد من التوتر والاحتقان، في بلد لا يقبل منطق الكسر والخلع والاجتثاث، ولا يعيش إلا وفق توازناته الدقيقة.

ألم يكن الأجدى مثلاً أن يكون عهدك علامةً فارقةً ومميزةً في تاريخ لبنان؟ ألم يكن الأجدى أن تترك لنا بصمة واحدة مضيئة في الحكم الرشيد وفي الوزارات التي أمسكت ناصيتها على مدى عقد ونيّف؟ ألم يكن الأجدى أن تُسارع وفريق عملك إلى ترميم علاقاتنا الخارجية، وإلى ترسيخ وحدتنا الداخلية، وإلى مباشرة معالجاتٍ هادئة لمختلف القضايا الشائكة، بما يضمن إعادة الاعتبار للدولة والنظام، بعيداً من المناكفات العبثيّة وسياسات الحقد والتشفّي والإصرار على السرديّات المفعمة بالشعبويّات والمظلوميّات والتضليل؟

ألم يكن الأجدى أن تحمل مشروع حياد لبنان، وأن تُمارس حضورك وشرعيتك بهدف توفير الحد الأدنى من التوافق الداخلي الذي يسمح بخروجنا السلس من حرائق المنطقة ومن تجاذباتها ومحاورها، مقابل الحفاظ على علاقة مميّزة ومتوازنة مع الجميع؟ ألم يكن الأجدى أن تلعب دوراً تاريخياً في جذب حزب الله نحو منطق الدولة، ونحو المصلحة الوطنية الخالصة، بدل التلهّي بتعبيد طريق الرئاسة لصهرك ووريثك؟

ألم يكن الأجدى أن تبادر إلى استعادة دور لبنان الاستثنائي في محيطه، وإلى تفعيل مقوّمات جاذبيته واستمراريته وتميّزه، وإلى إنعاش قطاعاته الأساسية والحيوية، ومباشرة معالجة أزماته المزمنة، بدل الانخراط السلبي في تحالف الأقليات، وفي محاور المنطقة، وفي لعبة التحريض المذهبي والطائفي، وفي العزف المستدام على وتر الصلاحيات والكراهيات والبغضاء؟

الناس يا فخامة الرئيس لا تبحث عن رئيس عنيد موصوف في عناده، ولا عن رئيس يتباهى بقدرته على الصمود في موقعه بينما يهرول البلد برمّته نحو الجحيم، بقدر ما تبحث عن رئيس حكيم وهادئ وليّن، يُدوّر الزاوية كلما احتدّت، ويجترح لهم الأمل، ويتوثّب نحو صناعة مستقبلهم ومستقبل أولادهم وأحفادهم.

لا حاجة إلى تذكيرهم على نحو مستمرّ بأنك عصيّ على الإذعان والرضوخ، وبأنّك لن تقبل التنازل، لا تحت قصف المدافع ولا أمام عاصفة الدولار، حتى لو احترق البلد بمن فيه. هم يعرفون ذلك. ويعرفون أنّك لن تكون إلّا كذلك. وهذا ما يدفعهم مرغمين، ليس إلى انتظار صحوة متأخّرة أو استقالة شبه مستحيلة، بل إلى انتظار قضاء الله وقدره.

هذه هي الخلاصة الحقيقية والمدوّية والمجرّدة يا فخامة الرئيس بعد أربع سنوات على رئاستك، وما أصعب أن تكون رئيساً على شعب يتمنّى أن لا تكون موجوداً.