//Put this in the section //Vbout Automation
عقل العويط - النهار

إنّي أكذب إنّي أكذب – عقل العويط – النهار

في القصّة الخرافيّة العتيقة التي قرأناها في الكتب ونحن صغار، عن #الذئب الذي هاجم القرية، كان راعي القطيع قد كذب مرارًا على الناس، فما عاد يصدّقه أحد. وعندما “جاء” الذئب فعلًا، لم يحرّك الأهالي ساكنًا، ولم يهبّوا لمواجهة (العدوّ)، على رغم استنجاد الراعي بهم، لتنتهي الحكاية باستيلاء الذئب استيلاءً مفجعًا على القرية بمَن وبما فيها.

ما لي وللحكاية هذه، فأنا لستُ الراعي لأرعى وأحمي، ولا أنا الراوي لأروي، ولا أنا الكاذب لأكذب. لكنْ، في الحالة اللبنانيّة، قيل إنّ المرء (لكي يعجب الناس) يجب أنْ يكذب (قليلًا). بل يجب أنْ يكذب (كثيرًا). وذلك (إيهامًا) للناس، و(تخديرًا) لهم، وشفقةً عليهم، واحترامًا لأوجاعهم، وتحفيزًا لهممهم. وقيل: لا يحقّ للصادق أنْ يكون صادقًا، لكي لا يصدّق هؤلاء الناس ما يقوله عن أحوالهم (الصادقة).




هكذا إذًا! هكذا إذًا! يجب أنْ يكذّب المرءُ الصدقَ، لكي يقتنع الناس بأنّ الكذب هو الحقيقة. ويجب عليه أنْ يخرّف الناسَ بالوهم، لكي يصدّقوا الوهم. ويجب أنْ لا يكتب عن الوجع، لئلّا يوهن عزائم الناس، ولئلّا يتوجّعوا، أكثر ممّا هم متوجّعون.

لكنْ، ماذا يجب أنْ يفعل الناس (الموهومون) لكي يزيحوا هذا الجدار الإرهابيّ )الفعليّ الحقيقيّ الواقعيّ، للأسف) الذي ينتصب في وجوههم وأمام عيونهم؟ وإذا لم يكن جدارًا، هذا الجاثم على صدورهم، والماثل أمامهم، فما هو إذًا هذا الجدار؟! أيقول لهم القائل (الصادق) إنّه ليس جدارًا؟! أيقول لهم إنّ ما يرونه، إنّما يتراءى لهم، وهو ليس حقيقةً، بل هو فقط غيمةُ صيفٍ عابرة؟! وإذا كانت الغيمةُ غيمةً عابرةً، حقًّا، فما هي، إذًا، هذه الغيمة الأبديّة غير العابرة؟ ما هي هذه الغيمة؟!
والحال هذه، ينبغي للشاهد الفعليّ أنْ يروي القصّة للناس، لا كما قرأناها في الكتب ونحن صغار، بل ينبغي له أنْ يعيد تخريفها وتأليفها وصياغتها على الوجه الآتي: سيقول لهم ليس هناك ذئبٌ قطّ. ليس هناك ذئبٌ البتّة. وما يتراءى لكم أنّه ذئبٌ، هو ليس ذئبًا. ليس ذئبًا. صدِّقوني – يقول لهم الشاهد الفعليّ في الحكاية الجديدة – إنّ الذئب ليس ذئبًا (بل نعجة. بل ملاك). وسيصدّق الناس إنّه ليس ذئبًا. بل فقط هو قناعٌ لذئب. وسيضحكون. وسيسخرون. وعندما ينامون مطمئنّين إلى ليلهم وفجرهم، سينامون ملء جفونهم. وسيحلمون. وعندما ينقشع الضوء، لن يروا الضوء، لأنّهم لن يكونوا هناك. لن يكونوا هناك. وآنذاك سيعرف الجميع أنّ الذئب هو الذئب، وأنّه ليس وهمًا، بل حقيقة. وأنّه قد “جاء” فعلًا، وأكل الناس والقرية والقطيع.

وآنذاك، لن يعود ثمّة فائدة من نشر القصّة الحقيقيّة، لأنّ الكذبة كانت – عند الناس – هي وحدها الصادقة، وكانت هي وحدها الحقيقة!
إنّي أكذب. إنّي أكذب. وها أنا قد بلّغتُ.