الياس خوري - القدس العربي

بِلا بَنْج – الياس خوري – القدس العربي

«بلا بَنج» أو بلا تخدير هو عنوان فيلم للمخرج البولندي اندريّا وايْدا (1978). أذكر أنني حين خرجت من صالة السينما، بعد مشاهدتي للفيلم، لم أستطع أن أحكي. أحسست أن المخرج ذهب في تحطيم شخصية بطله إلى الأقصى. ومع مرور الزمن لم يبقَ من الفيلم في ذاكرتي سوى عنوانه، ومشهد بطل الفيلم، في عيادة طبيب الأسنان.

بطل الفيلم صحافي يعيش في ظل النظام الستاليني، يتداعى عالمه على المستويين المهني والشخصي. يتم إسقاطه مهنياً نتيجة مشاركته في ندوة قال فيها ما يجب أن لا يقال، وتتحطم حياته الشخصية لأن زوجته تتركه بسبب علاقة عاطفية أقامتها مع شاب يصغره سناً.




الحكاية غائمة في رأسي، لكن عنوان الفيلم سحرني، ربما لأن كنايته أخذتني من مناخات زمن بولندي مضى إلى مناخات زمننا اللبناني والعربي.
تخيّلوا معي المشهد: يدخل رجل إلى عيادة طبيب الأسنان وهو يعاني ألماً فادحاً في أسنانه، يجلس على ذلك الكرسي الرهيب الذي ما إن يراه حتى يصاب بقشعريرة في كل أنحائه. يقول له الطبيب بأنه مضطر إلى اقتلاع الضرس المعطوب في فكه الأسفل. يطلب الطبيب من مريضه التماسك، لأنه سيقتلع الضرس من دون إبرة بنج، فدواء التخدير مقطوع في المدينة.
ماذا يستطيع المريض أن يفعل سوى أن يستسلم للألم.

لحظة الألم الوحشي لخصت سقوط الصحافي البولندي في مجتمع قمعي لا يرحم، ولم يبق له سوى الخيار بين ألَمين: ألم وجع الضرس، أو ألم اقتلاعه بِلا بَنج. طبعاً سيختار ألم الاقتلاع لأنه وجد نفسه على الكرسي بفم مفتوح، لا يرى سوى كمّاشة الطبيب التي تستعد للدخول في فمه.

هذا المشهد الذي بدا لمشاهدي الفيلم رهيباً ومخيفاً، أخذني إلى مناخات التعذيب في السجون العربية، حيث لا يجري اقتلاع ضرس واحد فقط، بل الأسنان كلها وأظافر اليدين والقدمين أيضاً وبِلا بَنج. فلا يرى السجين سوى الأيدي التي تفتح فمه بالقوة، وكماشة بيد رجل تشبه يد الجزّار أمام الذبيحة.

المقارنة بين كناية فيلم وايْدا وحقيقة جزاري بلادنا لا تصح. الكناية حيلة بلاغية تحيل القارئ أو المشاهد ليس إلى الحقيقة بل إلى معناها ودلالاتها. أما حقيقة الألم فلن تجد معادلاً في الكتاية أو الاستعارة. الألم لا يحيل سوى إلى الألم، ولا يستطيع أحد أن ينقل هذا العالم السري إلى اللغة أو السينما أو المسرح.

لغة الألم هي الألم نفسه.

وحين يبلغ الألم الذروة فإنه يصرخ أو يئن، الصراخ هو لغة الغضب، أما في لحظة الاستسلام للألم فإن الغضب يتحلل ويصير أنيناً، ويفقد قدرته على التواصل.

هل وصلت العرب ووصل لبنان إلى مرحلة الأنين؟

ما عشناه في الفترة التي سبقت الربيع العربي كان مزيجاً من قمع بالبنج على المستوى العام، وقمع بلا بنج على مستوى يضيق أو يتسع حسب الظروف.

الأنظمة الديكتاتورية العسكرية قمعت شعوبها ببنج القضايا القومية. سحقوا الفلسطينيين باسم تحرير فلسطين، أبادوا الحريات العامة باسم معركة لم تأت، وحين أتت هربوا أو أضاعوها أمام جيش الاحتلال الإسرائيلي.

أما الديكتاتوريات الأخرى فقمعت بأشكال متعددة: برفاهية النفط من جهة، وخطاب الدفاع عن القيم الأخلاقية والدينية من جهة أخرى. وانتشر الجهاد العالمي الذي انطلق من بلاد انتشرت فيها القواعد العسكرية الأمريكية!
وتبقى حالة لبنان الخاصة، حيث كان البنج مزيجاً من دموية اللعبة الطائفية ووعود الرفاهية والأعمار. وكان بنج لبنان لا يُبنِّج لأنه مركّب من نقيضين. فالطائفية تعني تمزقاً أمام الخيارات الإقليمية، وهي قادرة على الإطاحة بوعود الإعمار، كما تعني تناهباً منظماً لثروات الدولة والمجتمع.

منذ عشر سنين بات العالم العربي يعيش بلا بنج.
البنج لم يعد قادراً على التخدير، وأنظمة صناعة البنج فقدت قدرتها على الاستمرار، فعاش العرب تحت وطأة قمع وحشي لا سابق له، وبلا أي عزاء تخديري. حتى إسرائيل في مرحلة صعود اليمين العنصري والديني تخلت عن كل خطابات التبنيج وكشفت حقيقتها. عالم عربي من المحيط إلى الخليج لم يعد يمتلك إبرة بَنج واحدة!

ولعل فضيحة غياب البنج، وهي بالمناسبة أشد وطأة من فضيحة غياب لقاحات كورونا، تجد تجسيدها الصارخ في لبنان.

لا أريد أن أدّعي أن القمع في لبنان يمكن مقارنته بالكارثة السورية أو الليبية أو اليمنية أو إلى آخره، وصولاً إلى عسكريتاريا مصر، لكن لبنان يقدم المؤشر الأوضح لقمع بلا بنج، لأن الطبقة المهيمنة عليه فقدت لغتها، ولأن ما تبقى من مِزق الديموقراطية اللبنانية تعلن في كل يوم فضيحة هذه الطبقة المتوحشة والخرساء.

في زمن مضى كان ريمون اده يطالب السلطة بالفازلين كي تخفف ألم اغتصابها للمجتمع، أما اليوم فلبنان يقف وحيداً أمام الوحوش الدولية والإقليمية، التي أفلتت ذئابها وضباعها على الناس.

هل سمعتم بحيوان مفترس يُبنّج ضحيته قبل التهامها؟

الناس في لبنان يقفون وحدهم أمام وحش كاسر يلتهم أجزاءهم، ويمزق حيواتهم.

ماذا نقول لأمهات ضحايا 4 آب- أغسطس في عيد الأم؟

هل هناك بنج يخفف ألَمَهن؟ هل هناك أمل يائس يمسح دموعهن؟

أرى أمامي ضِباعاً فاغرة الأفواه، بأسنان اصطناعية حديدية، تقوم بالتهام الناس.

رهانهم هو أن ينحلّ غضبنا في أنين الألم، وأن الخيار الوحيد المتاح أمامنا هو الفرار عن طريق الهجرة، لمن يستطيع.

لكن ماذا لو لم يتلاشَ الغضب، بل كان يستعد للانفجار، هل سيلجأون كالعادة إلى التهويل بالحرب الأهلية ويتابعون افتراسنا بلا بنج؟
أم أنهم يفترسون بعضهم بعضاً؟

أم أنهم قرروا قتلنا في سياق اندثارهم؟

لا أريد أن أصدّق أن ألمنا استولى على غضبنا، فالغضب وحده يعطي الأشياء ما تبقى لها من معنى.

بالغضب نحيا، وإذا كان لا بد من الموت، فبالغضب نموت.