“ابن الحرب الأهلية” يستحضرها مجددا في لبنان

للمرة الرابعة على في أقل من سنتين يثير أمين عام “حزب الله” حسن نصر الله مخاوف من حرب أهلية يتم التحضير لها والدفع باتجاهها في لبنان.

هذه المرة كانت الثانية التي أثارت موجة ردود فعل واستنكارا لكلامه، المرة الأولى كانت بعد انفجار المرفأ الذي استدعى رد فعل شعبي كبير في الشارع والإعلام، دفع نصر الله للتحذير حينها من الفوضى واستدعاء حرب أهلية.




في حديثه المتلفز الأخير أتى على ذكر الحرب الأهلية نحو 10 مرات، في سياق التحذير منها ومن الساعين في لبنان إليها، الأمر الذي استدعى ردودا عدة، اتهمت حزب الله بالقدرة وحده على افتعال الحرب الأهلية.

ويعتقد كثيرون بهذا الرأي على اعتبار أن “حزب الله” هو القوة العسكرية الوحيدة خارج مؤسسات الدولة اللبنانية القادرة على خوض حرب في لبنان، إضافة إلى اتهام نصر الله بالتلويح بالحرب الأهلية من أجل إضعاف إرادة اللبنانيين الرامية للتغيير وفرض توازنات سياسية عليهم بالقوة والتهديد.

هذا التراشق المكرر في الأدبيات السياسية اللبنانية منذ نحو 15 عاما، مرده إلى العلاقة غير الواضحة بين حزب الله وفكرة الحرب الأهلية بحد ذاتها، وما إذا كان الحزب مستفيدا، متضررا، أم مستثمرا سياسيا في أي فرضية نشوب صراع داخلي أو حرب أهلية.

“حزب الله ابن الحرب”

نشأة الحزب كانت في ذروة الحرب الأهلية التي شهدها لبنان مطلع ثمانينيات القرن الماضي، حيث قام على أنقاض الدولة الغائبة حينها والأحزاب المتصارعة، وانتعش في ظل الحرب.

تمكن بعدها من بناء منظومة موازية لمؤسسات الدولة اللبنانية بقدرة تنظيمية تمكنه من ملء فراغ الدولة حين تغيب، كما حصل في مناطق نفوذه خلال المرحلة الماضية، وهذا ما يمكن أن يوسعه ويعممه الحزب في أي حرب أهلية متوقعة قد تسقط البلاد كلها في قبضته ليفرض بعدها رؤيته القديمة للكيان اللبناني كساحة لتصدير الثورة الإسلامية في إيران.

ويضرب نصر الله المثل بالعراق واليمن وسوريا كأمثلة على سعي الدول المعادية له وللمشروع الإيراني لافتعال حروب أهلية، فيما يرى خصومه في لبنان أنه هو ومن خلفه إيران، العنصر المشترك الوحيد والمتواجد في سوريا والعراق واليمن، وإن كان هناك مخاوف من حرب أهلية في لبنان فهي برسم حزب الله نفسه.

ويقول نائب رئيس تيار “المستقبل” اللبناني مصطفى علوش في حديثه لموقع “الحرة” إن “حزب الله عبّر بتصريحات واضحة سنة 1989 و1990 عن معارضته لاتفاق الطائف الذي أوقف الحرب الأهلية اللبنانية”.

وأضاف “أن تنظيما عسكريا مثل حزب الله، يعيش في الحرب ويتغذى عليها، وهذا ما يفسر إصراره على استمرار حالة الحرب في لبنان وكذلك في سوريا والعراق واليمن، لأنه لا يملك أي طروحات سياسية واقتصادية عامة قادرة أن تجمع. فعقيدته الأساسية هي ولاية الفقيه وكل ما يدور في إطارها”.

ويعتبر علوش أن “طبيعة تنظيم حزب الله لكونه حزبا عسكريا وليس سياسيا، فإنه يرى دائما في الحرب، أهلية كانت أم خارجية، الوسيلة الأمثل لتحقيق أهدافه، وللسبب نفسه لا يمكنه أن ينتج سياسة أو يصنع سلاما، وإنما يسير وفق قاعدة انتصر أو لا أنتصر”.

في المقابل يرى المحلل السياسي غسان جواد أنه ومنذ العام 2005 وتحديدا منذ خروج الجيش السوري من لبنان، “كان هناك دائما شعور لدى حزب الله، أن خصومه ورعاتهم الإقليميين والدوليين يمكن بأي لحظة أن يدفعوا البلد نحو حرب أهلية”.

ويتابع أن “هذا الشعور ازداد بعد الحرب السورية عام 2011، وطبعا حزب الله هو الذي يمتلك السلاح والقدرات العسكرية النوعية في البلد، ولكن خياره هو الابتعاد عن الحرب الأهلية والانتباه والتحذير منها، وهذا أحد أسباب منع حصول هذه الحرب حتى اليوم إذ إنه يوظف قوته في سبيل منعها”.

ويضيف “إصرار حزب الله على ترشيح سعد الحريري لرئاسة الحكومة خير دليل على أنه لا يسعى ولا يريد حربا أهلية ولا حتى عودة إلى نغمة الصراع السني الشيعي في لبنان، وهذا ما يدفع ثمنه من رصيده الشعبي وعلاقته بحلفائه”.

أين الطرف الآخر؟

ويُتهم حزب الله بكونه المبادر الأول لأي مظاهر اقتتال داخلي في لبنان على مدى الـ15 سنة الماضية، من الأحداث التي تلت اغتيال الحريري عام 2005 إلى مواجهات العامين 2007 و2008 إلى واقعة القمصان السود، مرورا بالأمن الذاتي في مناطق نفوذه والمظاهر المسلحة الدائمة، وصولا إلى افتعال سلسلة المواجهات الشعبية مع قوى الثورة بعد أكتوبر 2019، والتي اتخذت أبعادا مذهبية وطائفية وصلت إلى حد تهديد السلم الأهلي بعد انفجار بيروت.

طرح مبدأ الحرب الأهلية حتى الآن غير وارد في لبنان، بحسب ما يؤكد النائب عن حزب القوات اللبنانية جورج عقيص، لموقع “الحرة”، معتبرا أن “الحرب الأهلية تحتاج فريقين قادرين على القتال لخوضها، فيما اليوم السلاح في يد فريق واحد بينما كل الفرقاء الباقين لا يمتلكون السلاح”.

من جهته يشير علوش إلى أنه “ما من تنظيمات في لبنان بإمكانها مواجهة حزب الله، لكن حزب الله في المقابل قادر على القيام بحركات بلطجية مشابهة لما حصل عام 2007 وقادر على فرض نوع من الأمر الواقع ولكن إمكانية انتصاره على المستوى السياسي مستحيل أن تحصل”.

ويرد جواد في حديثه لموقع “الحرة” على تلك الاتهامات باعتباره أن “حزب الله في 7 مايو منع حربا أهلية من خلال حسمه للأمور خلال يومين، الأمر الذي أوقف تدهور الوضع الأمني حينها ومنع التفكير بحرب اهلية”.

ويضيف “لكنه في الوقت نفسه لم يستفد من واقع سيطرته سياسيا حيث ذهب إلى الدوحة بخطاب سياسي وطني فكانت مطالبه حكومة وحدة وطنية وانتخاب رئيس جمهورية وقانون انتخابات”.

ويتابع “أما بعد احتجاجات أكتوبر، فلم يصل البلد إلى اصطدام أهلي إلا بمشاهد بسيطة جدا، لكن الخوف الآن من التحولات الإقليمية والدولية، لاسيما من ناحية القوى المتضررة من احتمال عودة الحوار والتفاهم الأميركي الإيراني”.

ويضيف “في حال اتخذ قرارا بتفجير البلد، فخلال شهرين يمكن قلب الموازين لناحية السلاح والتدريب، وقد شهدنا ذلك سابقا في سوريا حيث لم يكن هناك أرضية لأحزاب متصارعة ولا تنظيمات مسلحة، حين اتخذ القرار، دخل خلال شهرين السلاح والتدريب وتحول المدني إلى مسلح وبالتالي كلام نصر الله جاء بناء على معلومات وقراءة لسلوك بعض الأطراف الذين يدفعون نحو الفوضى والحرب الأهلية، وأظنه يقصد تحديدا السعودية وإسرائيل في هذا الاتجاه”.

من المستفيد من الحرب؟

لا أحد في لبنان يستفيد من حرب أهلية شاملة بمعنى أن ينفلت الوضع الأمني، بحسب ما يرى استاذ السياسات والتخطيط في الجامعة الأميركية في بيروت ناصر ياسين، “فحين يسقط الهيكل سوف يؤذي الجميع، ولا أحد لديه القدرة من الأحزاب والتيارات الموجودة حاليا على مواجهة هذا الخطر ودخول حرب أهلية، إضافة إلى عدم وجود نية دولية لمثل هذا الأمر في لبنان، كما حصل في الستينيات والسبعينيات”.

ويتابع ياسين “حزب الله لا يستفيد بالحرب الأهلية، على العكس يهمه المحافظة على حد أدنى من الاستقرار، شرط أن تبقى له اليد الطولى في لبنان، ليتمكن من أن يحكم من الخلف ويحرك خيوط اللعبة، وهذه فعليا منهجية عمله خلال كل الفترة الماضية”.

ويضيف “يريد حزب الله المحافظة على حد أدنى من النسيج اللبناني واستقرار ضعيف يريحه أكثر في عمله، بدلا السيطرة التامة والعلنية على لبنان”.

ويرى أنه “حتى المجتمع الدولي يطالب جميعه باستقرار لبنان، على العكس المنطقة بأسرها اليوم تبتعد عن العمل والنشاط العسكري وتنتظر موسم التسويات، وعليه لا مصلحة لأحد بتفجير الأمور في لبنان بعكس التيار”.

بدوره يقول النائب عقيص: “إذا أردت أن اعتبر حزب الله لبنانيا ومن النسيج اللبناني فهو سيكون كما كل اللبنانيين متضررا من الحرب الأهلية. أما إذا ما كان غير ذلك فلا يمكن التنبؤ بجواب”.

فيما يرى علوش أن “حزب الله لا يريد الانتصار، فهو يلعب في المنطقة الرمادية، بين الدولة اللبنانية كدولة تعددية وما بين كونه حزبا مذهبيا تابعا لدولة أخرى، لذلك يريد للبنان أن يستمر على وضعه الحالي ليبقى ورقة تفاوض في يد مشروع ولاية الفقيه لا أكثر لا أقل، لذلك لا أظن أنه يسعى لحرب أهلية”.

ويقر جواد بامتلاك حزب الله القدرات التنظيمية واللوجستية التي تمكنه من إدارة الفوضى خلال أي حرب أهلية، “ولكن لا يعني ذلك أنه يستفيد من الحرب، إذ إنه يعتبر أي حرب أهلية ستقضي على مشروع المقاومة وتستنزفه”.

ويشير إلى أن حزب الله “ينظر إلى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان حيث تم تفجر الحرب الأهلية بوجهها واستنزفت حتى أخرجت من لبنان من ثم تم القضاء عليها، هذا ما يخيف حزب الله، لأنه سيكون الطرف الأكثر تضرراً”.

في المقابل يؤكد علوش أن “حزب الله تخطى مرحلة الخوف من أن يعتبر ميليشيا مثل الميليشيات الأخرى، حتى أنه الآن وعلى الصعيد الإقليمي دخل في الحرب السورية كطرف من أطراف النزاع، كذلك في اليمن والعراق.

ويبين “لم يعد أحد ينظر إلى حزب الله على أنه مقاومة، ورقة التوت هذه التي كان يتستر خلفها، سقطت منذ زمن، اليوم أصبح ميليشيا طائفية تابعة لإيران وموجودة كأمر واقع”.

لماذا التهويل إذا؟

تزامنت خطابات نصر الله التي حذر فيها من الحرب الأهلية، مع المراحل المفصلية التي مرت على لبنان خلال السنوات الماضية، يضع استحضار حزب الله للحرب الأهلية في إطار التهويل الذي يرافق أي احتمال موجة اعتراض شعبية كالتي تحصل اليوم وسبق أن حصلت بعد انفجار المرفأ وقبلها في اكتوبر 2019.

وفيما يرى جواد أن تحذيرات حزب الله اليوم ناتجة عن قراءة واسعة من الخارج ومواقف الأطراف الدولية والإقليمية إلى الداخل وواقع لبنان المنقسم.

يؤكد علوش أن “الأحزاب عادة في الأزمات وانعدام الاستقرار والاعتراض عليها تلجأ إلى مخاوف تجمع بينها وتشد عصب جمهورها، وفي حالتنا في لبنان هذه المخاوف تتمثل بالحرب الأهلية والطائفية، وهذه استراتيجية معتمدة للجم غضب الناس ودفعها للقبول بظروف الحياة والمصاعب والفقر والجوع بحجة أن “الآخر يتربص بكم”.

ويضيف أن “حزب الله يذكر الشيعة في لبنان من خلال هذه التحذيرات من أنه يخوض عنهم معركة وجود، وبالتالي استخدامه لفزاعة الحرب الأهلية تأتي في سياق الضغط على الآخرين بالقول أنا الأقوى وبإمكاني فرض شروطي من أجل تغيير المعادلات والمسارات السياسية في البلد”.

من جهته يؤكد ياسين أن “هذه التحذيرات هي للاستثمار السياسي أكثر مما هي معطيات متوفرة وحقيقية على الأرض، وهذا موقف علمي بحت، فبالنسبة إلى المعايير المطلوبة لقيام سيناريو الحرب، لا تتوفر اليوم على الساحة اللبنانية، ولكن عادة ما تنتهج الأنظمة العربية والأحزاب الحاكمة معزوفة التهديد بالأمن والحرب الأهلية من أجل لجم الشارع وتخويفه من الفوضى وهذا ما يجري في لبنان.

ويضيف “يتعلق الأمر بتحقيق المكتسبات السياسية في ملف تشكيل الحكومة، وضربة استباقية للاحتجاجات قبل الوصول إلى التدهور الاقتصادي القادم”.

ويقول النائب عقيص إن “الناس قد ملت من الحال المتأزم وباتت ترى نفسها ميتة في جميع الأحوال إن لم يكن من الحرب فمن الجوع، وبالتالي لا يمكن أن يكون التخويف وسيلة للجم غضب الناس وليست طريقة ناجحة لكبت مشاعرهم وانتفاضتهم، وإنما عبر معالجة مشاكلهم عبر حكومة اختصاصيين أو تمكينهم في أقرب وقت ممكن من التعبير عن إرادتهم بالتغيير من خلال انتخابات حرة ونزيهة تبعد شبح الحرب الأهلية”.

الحرب بعيدة.. ولكن!

يضيف عقيص “وصلنا إلى مراحل متقدمة من الانفجار الاجتماعي، إن لم يتخذ شكل الحرب الأهلية، قد ينتج مشاكل أمنية متنقلة بين المناطق وعابرة للاصطفاف ناتجة عن الفقر والعوز خارجة عن إرادة الأطراف السياسية”.

فيما يعبر ياسين عن خشيته من الأحداث الأمنية والتوترات الاجتماعية والأمن الذاتي المقنع وسط النزعة الانفصالية المتنامية، لدى جميع الطوائف والأحزاب، وهذا لا يعني أنه سيكون هناك فدرالية وتقسيم للبلد ولكن هناك نزعة انفصالية عامة لاسيما في معالجة الأزمة والتعامل معها، ويمكن لذلك أن يتم تحت أقنعة أخرى كاللامركزية الموسعة مثلا، أو الأمن الاجتماعي المناطق، أو حتى الأمن الذاتي القائم بأقنعة أهلية وبلديات. وهناك مناطق تخضع لنوع ما من الإدارة الذاتية والأمن الذاتي برعاية حزبية وطائفية. إذا تنامت أكثر هذه النزعة قد نصل إلى تقسيم أمر واقع.


الحرة