//Put this in the section //Vbout Automation

حكاية الانقلاب الذي بدأ في بعبدا… بأمر من حارة حريك

قاسم يوسف – أساس ميديا

كان الاجتماعُ عاصفًا: كيف نطرد سعد الحريري ونأخذ منه التكليف؟ وكيف نكلّف حسان دياب 2؟ المستشارون يبدعون في المشورة. كلّ يطلق ما في جعبته من أفكار غريبة وعجيبة.




فبعد التمهيد الناري في الإعلام، وبعد تعميم فكرة أنّ “عون لا يريد الحريري”، بات من الضروري الانتقال إلى الخطوات العملانية. لكن هناك مشكلة صغيرة، وهي “الدستور”. وهنا يأتي دور مصمّم الأزياء الدستورية في بعبدا والجوار، مستشار القصر والوزير السابق لشؤون الرئاسة، سليم جريصاتي.

إلى أن قال أحدهم إنّ الطريقة الأفضل لبدء القصف المتقطّع على محور بعبدا – بيت الوسط، هي في تنظيم رسالة إلى مجلس النواب، يطلب الرئيس فيها من النواب، باسم المصلحة الوطنية، أن يتدخّلوا لمنع الرئيس المكلّف سعد الحريري من اعتقال التكليف.

هنا ردّ المستشار أنطوان قسطنيطين، محذّراً من أنّ رسالة كهذه يمكن أن تنقلب إلى هجمة مرتدّة من مجلس النواب، وعلى رأسه الرئيس نبيه برّي، الذي سيرسل كرةً بعيدة إلى منطقة الجزاء البعبداوية.

وكان أن رسا الرأي على بيان – رسالة، يتوجّه بها الرئيس عون إلى اللبنانيين، وفيها كلام مخصّص للرئيس سعد الحريري يدعوه إلى زيارة قصر بعبدا من أجل تشكيل الحكومة دون تأخير. ولأنّ الاجتماع طال، انتقل الرئيس إلى جناحه لبعض الراحة، وبدأ المستشارون في تحضير الكاميرات.

نزل الرئيس، وجلس إلى الكرسي، ليقرأ الرسالة. لكنّه وصل إلى الجملة التالية: “أما في حال وجد نفسه في عجز عن التأليف وترؤس حكومة إنقاذ وطني تتصدّى للأوضاع الخطيرة التي تعاني منها البلاد والعباد، فعليه أن يفسح في المجال أمام كل قادر على التأليف”.

هنا، يروي أحد الحاضرين، إنّ الرئيس توقف عن القراءة، وأوقف التسجيل، ليقول للمحيطين به وبالكاميرا: “ما هذا الكلام؟ لم نتفق على هذا”. فردّ أحدهم: “هذه الجملة أضافها جبران باسيل”. فاتصلوا به. وما هي إلا دقائق وحضر، هو الذي بات جار القصر في مقرّه الجديد ببعبدا. دخل جبران، وعلى مسمع الجميع قال بصوتٍ عالٍ: “هذه الجملة بالتنسيق مع حزب الله”. هو الذي كان قد التقى بالحاج وفيق صفا قبلها.

وهكذا أكمل الرئيس الكلمة، وإن “على مضض”.

إذاً، بدأت بوادر “الانقلاب” من ظهر الأربعاء الفائت، قبل أكثر من ثلاثين ساعة من كلمة الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله. بدأت من بعبدا، وبأمر من حارة حريك. وكان المشهد قيد الإعداد، لانقلاب ذي وجه متعلّق بالرئيس عون، لكنّه في العمق بات أكثر وضوحاً ليل الخميس، بعد كلمة “السيّد”، التي بدت “البيان رقم 1″، وفيه أمر عمليات لقائد الجيش العماد جوزف عون بأن يفتح الطرق، ولحاكم مصرف لبنان رياض سلامة بأن يضبط الدولار، ولحسّان دياب بأن يفعّل حكومته، وللثوّار بأن “وصلت معي لهون”، وهدّد بأنّ عدم تنفيذ أوامره دونه “خيارات من خارج مؤسسات الدولة… لا سمح الله”. ولم ينسَ أن “يدقّ باب” ما سمّاه “حلّاً دستوريّاً لعدم تشكيل الحكومة طوال أشهر”. أي أنّه أعلن فتح باب تعديل اتفاق الطائف. ولم يستثنِ حليفه الرئيس نبيه برّي الذي أشار إليه في سياق التنمّر على “من نثق به ونحترم رأيه قال إذا عزلنا الحاكم سيصبح الدولار 10 آلاف و15 ألفاً”.وفي صدره غضب مكتوم من الاحتجاجات التي قادتها حركة أمل في شوارع الضاحية خلال الأسبوعين الفائتين.

على أنّ الأوامر الأكثر راهنيةً وجّهها إلى سعد الحريري بأن يشكّل حكومة “تكنوسياسية” بدل حكومة الاختصاصيين “لديها أكتاف”. وحدّد الأكتاف بـ”أن نأتي بشركات صينية وأن نشتري النفط الإيراني بالليرة”. لذا سارعت فرنسا إلى التحسّس من محاولة دفن مبادرتها، فبعثت رسائل يوم الجمعة بأنّها لا تمانع “حكومة تكنو سياسية”، طالما أنّ الوزراء سيكونون “من أهل الاختصاص”.

بدا المشهد محيّراً. وتعدّدت التأويلات. بعض المصادر ذهبت إلى أنّ نصر الله كان يردّ على ما سمعه رئيس كتلة حزب الله النيابية محمد رعد في موسكو، من دعوة إلى مغادرة سوريا. فكان الردّ بالإطباق على لبنان. ووضع آخرون “البيان رقم 1” في سياق مطالب إيرانية من الفرنسيين، أو ضمن سلسلة الهجمات الإيرانية على كلّ ما يمكن أن تطاله أيديهم، في سياق لعبة عضّ الأصابع مع إدارة الرئيس جو بايدن.

لكن أيّاً يكن سبب التصعيد المفاجىء، فإنّ بيان بعبدا “بالتنسيق مع حزب الله”، وكلام نصر الله الذي تلاه، يؤشّران بما لا يدعُ مجالاً للشكّ، إلى أنّنا أمام “سحب التكليف” من الحريري، تمهيداً لتكليف شخصية مشابهة لحسان دياب، يعيّنها جبران باسيل “بالتنسيق مع حزب الله”، وتذهب بالبلاد إلى ما هو أسوأ مما نعانيه حالياً.

ردّ الرئيس الحريري من بعبدا على بيان عون كان عالي السقف: “انتخابات رئاسية مبكرة”. هكذا تبنّى سعد الحريري المعادلة التي اقترحها النائب نهاد المشنوق عبر شاشة “الحرّة” الأميركية قبل أسبوعين: “اعتذار الحريري مقابل استقالة عون”.

لكنّ الحريري صمت بعد كلام نصر الله. وفي اليوم التالي، الجمعة، استقبل الرؤساء الثلاثة، فؤاد السنيورة وتمام سلام ونجيب ميقاتي، لكنّه فضّل عدم مشاركتهم في بيان، فخرجوا بصمت. وفي اليوم التالي، السبت، أمس، وزّع الرؤساء الثلاثة بياناً كان يتيماً في الردّ على الانقلاب الكبير الذي تشهده البلاد. بل يمكن وصفه بأنّه “بيان هادىء كُتِبَ في الصالون، ردّاً على انقلاب يجري التحضير له في الشوارع وبالأسلحة”. تلك التي حدّدها في الحرب الأهلية نصر الله بأنّها “تحدث بالرشاش والـM16، وB7، وبالأسلحة المتوسّطة والدوشكا ومضادّ الطائرات”. هكذا فإنّ نصر الله سمّى الجيرة وسمّى الحيّ. وكأنّه لم يبقَ غير هويّات القتلى وأعدادهم ليكتمل مشهد الحرب.

الرؤساء الثلاثة دعوا الرئيس عون إلى تطبيق الدستور الذي ينصّ على أنّ صلاحياته تنصّ وفق الفقرة الرابعة من المادّة 53 أنّه “يصدر بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء مرسوم تشكيل الحكومة”، وتابع البيان: “لم تنصّ على عبارة تشكيل بل إصدار. فمهمة التشكيل أنيطت حسب الفقرة الثانية من المادة 64 برئيس الحكومة المكلف استناداً إلى الثقة التي منحته إياها الأكثرية النيابية بناءً على الاستشارات النيابية الملزمة…”.

في هذا الوقت سرّب الأوروبيون بأنّ اجتماع وزراء خارجيتهم غداً الإثنين إما يبارك الحكومة الجديدة ويفتح لها أحضان الدعم، وإما سيستعمل “العنف” الديبلوماسي، أي العقوبات على المعرقلين. وسرّب باسيل بأنّه “لا يبالي” وأكثر من “قرد” العقوبات الأميركية “ما مسخ الله”.

أما جنبلاط فردّ على نصر الله بزيارة عون، وبالتشديد على ضرورة إجراء “التسوية”. جنبلاط يعرف حدوده، وفي الأزمات التي يلتقط راداره أنّها ستكون عاصفة، ينحني دائماً لمصلحة طائفته ولحمايتها.

هذه سطور من بداية الحكاية. حكاية انقلاب بدأ في بعبدا، وأتى بجنبلاط إلى بعبدا، وسيستكمل في الأيام المقبلة بأشكال لم نعهدها من قبل.