قلق جنبلاط وتصعيد نصرالله واستعصاء عون… هل يخضع الحريري لشروط تشكيل حكومة سياسية؟

ابراهيم حيدر – النهار

ليس سهلاً أن ترى البلد ينزلق نحو الانهيار ومقبل على انفجار كبير، من دون أن تتحرك لإيجاد مخرج تسووي للأزمة. قد يكون هذا الواقع هو ما دفع وليد #جنبلاط لزيارة قصر بعبدا ولقاء الرئيس ميشال #عون على الرغم من أن التفسير السياسي يشير إلى أن رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي قد فك بعض عزلة عون الذي لم يعد يجد له حليفاً غير “حزب الله”، وقد يكون أيضاً أغضب سعد #الحريري بحديثه عن #حكومة لا تقف عند حدود تشكيلة الـ18 وزيراً. وزيارة جنبلاط ومواقفه التي أعلنها من التسوية، جاءت بعد التصعيد الكبير في مواقف الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن #نصرالله الذي ضغط إلى أقصى الحدود، رافعاً سقف شروطه في التشكيل الحكومي، وحتى النظام وتعديل الدستور.




تختلف مواقف جنبلاط في هذه اللحظة الحرجة عن السابق، فهو يدرك أكثر من غيره أن الانفجار يقترب بما يعني انتهاء البلد وإمساكه من قوى مرتبطة مباشرة بمرجعيات إقليمية، وبممارسته السياسية يثبت للجميع أنه أحد اركان التركيبة واللعبة، وهو من أشد المتمسكين بالصيغة، ليس من موقعه في الطائفة فحسب، إنما على مستوى البلد وهو أيضاً من الساعين لحمايتها، لذا نجده يصعّد في مواقفه إلى حد القطيعة ثم يفتح خطوطه مجدداً عندما يستشعر بأخطار محدقة، فكيف في هذه المرحلة الأكثر خطراً ومأسوية على لبنان. وعلى رغم أن جنبلاط يعرف أن التسوية التي يدعو إليها قد لا تكون ممكنة، بعد التهشيم الذي تعرضت له الصيغة، إلا أن الواقع يحتّم التصرف على قاعدة مختلفة، خصوصاً وان الإنفجار قد يقضي على لبنان، فيما الصراع بين الطوائف الكبيرة، قد يأخذ البلد إلى الفوضى وسيطرة الأكثر قوة وتسليحاً. فالخطر يفترض خطوات تواصل مع الجميع، وإبقاء الجسور مفتوحة، وصولاً إلى التضحية بالكثير من أجل وقف الانهيار ومنع الاتفجار.

النقطة التي سرّعت بقبول جنبلاط دعوته إلى قصر بعبدا، كان التصعيد الذي رفعه نصرالله وكشف بوضوح عن برنامج “حزب الله” ورؤيته للوضع اللبناني ومستقبله، والذي يعيد بشروط نصرالله اللعبة السياسية اللبنانية إلى ما قبل انتفاضة 17 تشرين الأول 2019، وكأن شيئاً لم يكن، والهجوم مرة أخرى لحسم القرار في البلد، انطلاقاً من حكومة سياسية. وعلى هذا لم يعترض جنبلاط من قصر بعبدا على حكومة من 20 وزيراً ولا على حكومة الاختصاصيين الـ18 مشكلاً نقطة تقاطع مع الجميع، علماً أن نصرالله حذر الحريري من أن حكومة اختصاصيين قد تسقط خلال شهرين. والمهم أيضاً أن جنبلاط تنبه إلى تحذير نصرالله الذي لم يقتصر على موضوع الاختصاصيين، فما لم يسر الحريري بحكومة سياسية بالشروط المتماهية بين الحزب وعون، سيجري العمل على تفعيل حكومة تصريف الاعمال الحالية برئاسة حسان دياب، وكذلك بالعمل على وضع آليات لتفسير الدستور اللبناني وتعديله اذا اقتضى الامر لتشكيل الحكومة وتحديد مدة التكليف.

رفع نصرالله عالياً سقف موقفه لتشكيل حكومة سياسية تتمثل فيها كل القوى الطائفية، ما يعني حكومة مختلفة عن طموح الحريري، علماً أن ملامح هذه الوجهة ظهرت في ما أعلنه قبل نحو شهر رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل الذي كان زاد على شروط استعصاء ميشال عون، مسألة كيفية اختيار الوزراء من الطوائف. هكذا رُفعت في وجه الحريري شروط إضافية، بعد حملة سابقة تحمّله المسؤولية عن الإنهيار بهروبه نحو الخارج كرئيس مُكلّف وأنه يسعى إلى فرض وصايات خارجية على الحكومة يستقوي بها ضد الداخل. وقد وضع نصر الله مسودة خطة سياسية ودستورية جديدة، تمثّل جزءاً منها بالضغط من خلال تفعيل حكومة تصريف الأعمال، إنما الأخطر هو الذهاب إلى حلّ دستوري للمشكلة، يذهب الى تعديلات إذا لم تكن متاحة في مجلس النواب، فيجري تثبيتها بالأمر الواقع وفق الموازين على الأرض وبالاجتهادات في آلية تكوين السلطة وتحديد مهمة التكليف أو سحبه، وهو ما يعتبره البعض بمثابة انقلاب على الصيغة.

في ملف تشكيل الحكومة، يبدو أن ميشال عون لا يزال على شروطه. ولا يمكن أن يكون وليد جنبلاط أقنعه بالتنازل عنها، فالاخير تهمه التسوية تجنباً للانفجار الذي يطيح بالبلد والصيغة. ويستند في ذلك على موقف “حزب الله” الذي يصر على تسمية وزرائه في الحكومة، إذ لا يمكن للحريري أن يكون لديه هامش في اختيار الوزراء الشيعة، في الوقت الذي يصر ميشال عون على تسمية الوزراء المسيحيين. وقد كان نصرالله واضحاً في كلامه المستند إلى القوة: “في حال استمر التأزيم في تشكيل الحكومة، هناك خياران، العودة إلى تفعيل الحكومة المستقيلة… أو نجد حلاً دستورياً قانونياً يحفظ التوازنات الطائفية”. هي رسائل نصرالله وجهها للجميع تقضي بإعادة إنتاج السلطة ذاتها والتركيبة نفسها، والتصرف على طريقته بإدارتها.

في المقابل، يعلم جنبلاط أن الحريري منزعج من موقفه وخطوته، لكن في إمكان رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي الرد بأن الحريري كُلّف ضمن موازين قوى مختلة، وهو سيضطر الى التنازل إذا اقتضى الأمر. قال جنبلاط كلمته وهو يدرك أن التوازنات في البلد لمصلحة قوى الممانعة. وعلى هذا التسوية هي الخيار الوحيد وإن كان عون سينقضّ عليها في وقت لاحق في رعاية “حزب الله” ومحوره.

ويبقى السؤال، هل يسير الحريري بالشروط أم يضع نفسه في مواجهة مع أطراف أعلنت سلفاً أن لديها خيارات أخرى للسيطرة والتحكم بالقرار وفق مشيئتها؟