//Put this in the section //Vbout Automation

إيران و»حزب الله»: لم ندخل سوريا لنخرج منها وقادرون على ضبط العلاقة مع الروس

تقوم مقاربة طهران الاستراتيجية لسوريا على أنها حجر الزاوية لسياسة إيران في المنطقة. هكذا كانت قبل الثورة السورية على نظام بشار الأسد عام 2011 ولا تزال. موقع سوريا الجيوسياسي هو بالتأكيد عامل مؤثر في رؤية مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية علي خامنئي، ولكن ثمة عاملاً آخر لا يقل أهمية، وهو «الحلف الأبدي» مع بيت الأسد، بشار وماهر.

وسوريا هي جزء من «الهلال الشيعي» الذي يربط إيران بلبنان، معقل «حزب الله» الذراع الإيرانية الأبرز بين الميليشيات التابعة لـ»الحرس الثوري». من هنا، كان انتصار الثورة يعني خروج سوريا من المحور وانقطاع خط الإمداد إلى لبنان وضربة قاصمة للنفوذ الإيراني وتمدده في الإقليم.




بقاء النظام شكَّل مسألة حياة أو موت بالنسبة لـ»حزب الله» فدخل عسكرياً إلى سوريا لمنع سقوط الأسد. خاض معركة القصير ومعارك القلمون والغوطتين. كان الهدف الأساسي للمحور حماية العاصمة، فبقاء دمشق يوفّر طوق النجاة للنظام، حتى لو خسر مدناً وقرى، فيمكنه أن يستعيدها مع الوقت حين تتغيّر موازين القوى. وهذا ما حصل إلى حد كبير، عندما دخلت روسيا على خط إنقاذه من خلال سلاحها الجوي وسياسة الأرض المحروقة، وأدارت القوى الإقليمية والدولية ظهرها إلى الثورة السورية، وتحوّل العنوان إلى: «حرب على الإرهاب».

فعلى أرض سوريا اليوم جيوش عدة يسيطر كل منها على مساحة معينة. هناك الأمريكيون في شمال شرق البلاد، حيث نفوذ الأكراد و80 في المئة من آبار النفط والغاز، وهناك تركيا في الشمال السوري وجماعات مسلحة موالية لها، وهناك ضمانة روسية في جزء من الجنوب وفقاً لاتفاق أمريكي-إسرائيلي-روسي-أردني، ينص على إبعاد إيران وأذرعها مسافة 80 كلم عن الحدود الإسرائيلية إلى الداخل، وهناك القواعد الروسية في اللاذقية وطرطوس على الساحل، وهناك تواجد وتداخل وتنسيق بين الروس وإيران وجماعاتها المسلحة في غرب سوريا ووسطها وبعض من جنوبها، فيما القوات السورية تسيطر حيث الحلفاء على ما نسبته 70 في المئة الأراضي.

يكثر الحديث عن اتفاق أمريكي-روسي بشأن انسحاب إيران وميليشياتها من سوريا. في رأي منظري «المحور» أن إيران وحزب الله لم يدخلا سوريا كي يخرجا منها. ثمة عمليات تجنيد كبيرة تحصل في البيئة السورية وشراء للولاءات، فضلاً عن عمليات توطين تحصل لعائلات ميليشيات شيعية من بلدان عدة، وهناك استثمارات اقتصادية لطهران وشراء عقارات، وغيرها من المشاريع الكبرى، إضافة إلى اتفاقات ثنائية بين الدولتين السورية والإيرانية. وبالتالي، فإن إيران تعمل على تكريس نفوذها بوسائل تتخطى الدعم العسكري إلى ما هو اقتصادي واجتماعي وثقافي، وهي مع «حزب الله» تتسلل إلى النسيج السوري وفقاً لمخططاتها التي تتماهى مع مشروعها الأم في تكريس نفوذها في المنطقة، وفرض نفسها لاعباً وشريكاً إقليمياً وازناً.

زمن القطبين

لا يُعبّر «حزب الله» ومن خلفه إيران، عن قلق كبير من الاتفاقات الروسية-الإسرائيلية في سوريا. إيران تبني على تقاطعات مصالحها مع روسيا في البعد الاستراتيجي بالمنظار الواسع مضافاً إليهما الصين. اللصيقون بـ»المحور» يؤكدون أن لدى الطرفين القدرة على التعايش في مناطق اختلاف المصالح والرؤى السياسية، فذلك يحصل تحت مظلة الحلف الاستراتيجي الذي يتم العمل على ترسيخ قواعده بين موسكو وطهران وبكين للعودة إلى إحياء زمن القطبين. وكل نظريات التوجّه شرقاً تأتي في سياق العمل على تحقيق هذا الهدف بخلق تحولات استراتيجية.

ما يهم «حزب الله» وإيران، هو أن يبقى الأسد في الحكم. ضمانتهم بشّار ومن بعده أو بالتوازي معه شقيقه ماهر. سبق للأسد الابن أن اتّخذ خياره بالانحياز كلياً إلى المحور الإيراني، وليس البقاء في مساحة اللعب على التناقضات بين إيران والعرب، كما كان والده حافظ الأسد. الابن هو في مكان آخر كلياً، وكل الرهانات سابقاً عربياً وغربياً لفك ارتباطه بإيران قد فشلت. وحتى لو نجحت محاولات الروس لإعادة رئيس النظام إلى الجامعة العربية، فذلك لن يؤدي إلى خروجه من العباءة الإيرانية.

تقوم حسابات «الحزب» وإيران على أن الروس بحاجة لهما في الميدان، اليوم وغداً، فهما نجحا في التغلغل بما يجعل من الصعوبة بمكان التخلص من نفوذهما على الأرض بسهولة، فضلاً عن أن «سيناريوهات» إزعاج القوات الروسية جاهزة، وإن كانت جماعات المحور تتجنب الحديث عن إمكان الوصول إلى تلك الحالة. وما يُطمئن الإيرانيين اليوم أكثر هي العلاقات الروسية المتوترة مع الأمريكيين، مما سيجعل موسكو متصلبة إزاء واشنطن، لكن هذا العامل نفسه قد يكون، في رأي بعض المراقبين، عاملاً ضاغطاً على «سيد الكرملين» فلاديمير بوتين من أجل دفع الأسد إلى الطلب من القوات الإيرانية وميليشياتها بالانسحاب من سوريا.

المسألة الحسّاسة بالنسبة لـ»حزب الله» وإيران هي وجودهما داخل الـ80 كلم التي يجب أن تكون خالية من قواتهما في الجنوب. إسرائيل تطالب موسكو باحترام اتفاقها لمنع تحويل جنوب سوريا إلى منطقة شبيهة بجنوب لبنان. قواعد الاشتباك في سوريا واضحة بالنسبة للطرفين، وسلاح الجو الإسرائيلي لا يتوقف عن ضرب مخازن وشحنات الأسلحة لـ»حزب الله» الكاسرة للتوازن، كما أنه يستهدف مواقع إيرانية. الروس في كثير من الأحيان يبلغون إيران وميليشياتها لإخلاء المواقع تفادياً لوقوع إصابات. هذا جزء من الاتفاقات القائمة.

الروس يضغطون على «الحزب» وإيران لخروج كليّ من المنطقة الجنوبية. تقول المعلومات المتوافرة عن محادثات وفد «حزب الله» في موسكو أنه تبلّغ بضرورة إخلاء تلك الجغرافيا. هذه على الأقل الرواية المنقولة عن الروس، لكن ما يُنقل عن محور إيران أنه لن يترك وسيلة متاحة لديه إلا وسيستخدمها لتكريس وجوده المباشر، والروايات أنه يتواجد بثياب الجيش النظامي السوري. وإذا تعذر يوماً وجوده المباشر، فإنه سيكون موجوداً بـ»الواسطة» من خلال ما بات يُعرف بـ»حزب الله»- سوريا، حيث يعمل باستمرار على جذب وتجنيد شبان المنطقة، ولا سيما الدروز، ويعمل متخفياً وتحت الأرض في المناطق المتاخمة للجولان المحتل، وهي المنطقة التي سبق أن فَرَزَ لها «الحزبُ» الأسير المحرر سمير القنطار للقيام بهذه المهمة، قبل أن تستهدفه إسرائيل. ما يضيفه اللصيقون بـ»المحور» أن قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني نجح في تدعيم الوجود الإيراني على خط الإمداد العراقي-السوري في البوكمال والميادين والمساحات المحيطة بجغرافيا الجزيرة.

في حسابات «المحور» أن المواجهة لا تزال طويلة، وأن أوان الحلول في المسألة السورية لم يحن بعد. إيران تنطلق من أن بقاء الأسد في الانتخابات الرئاسية مضمون. وهذا انتصار للمشروع، كما أن التفاوض مع أمريكا لن يبدأ قبل انتهاء الاستحقاقات في سوريا وفي إيران. العين اليوم على الانتخابات الإسرائيلية وما إذا كانت ستُعيد بنيامين نتنياهو أم لا، فيما «الكباش» الأمريكي-الروسي على أشده، وواشنطن منشغلة بوضعها الداخلي وبصراعها مع الصين، ولا تصبّ اهتمامها الفعلي على الإقليم.

هذا الواقع يجعل إيران في لحظة تجميع الأوراق، من اليمن الذي يُصعّد فيه الحوثيون عسكرياً، إلى العراق حيث ترفع ميليشياتها فيه شعار طرد الأمريكيين، إلى سوريا المعزولة فلبنان الذي يُمسك «حزب الله» بقرار السلم والحرب فيه، ولن يتوانى عن استخدامه ساحة حرب في وجه إسرائيل والأمريكيين إذا اقتضت الضرورة لدى المرشد.