جنبلاط الخائف الدائم: يفك عزلة عون ويغضب الحريري

منير الربيع – المدن

وليد جنبلاط في بعبدا؟! الخبر غريب. مفاجئ. لكنه غير جديد. عون يستقبل جنبلاط؟ لكن ليست المرّة الأولى التي يحصل فيها ذلك، بعد مواقف تصعيدية من رئيس الاشتراكي ضد عون. وحدث ذلك قبل حادثة قبرشمون وبعدها.




مشاهد جنبلاطية
لكن لقاء السبت 20 آذار جاء بعد هجوم عنيف شنه جنبلاط أكثر من مرة على عون وصهره، واصفاً إياهما بالعبثية. وهنا مكمن الغرابة، واستشعر البعض بأن الحركة الجنبلاطية “فيها نفس انقلابي، أو تراجعي، أو مقدمة “لحماية الرأس، والذهاب وحيداً وبعيداً عن حلفاء واصدقاء، وخصوصاً سعد الحريري في هذه المرحلة المفصلية من مفاوضات تشكيل الحكومة”.

وسريعاً يخرج الاستنتاج بمشاهد متوالية: الموقف من توسيع الحكومة، ورفعها إلى عشرين وزيراً. وهذا موقف يزعج الحريري، وكان ردّ عليه سريعاً في بيانه الشهير: لن أبحث في توسيع الحكومة.

مشهد آخر عند استقبال جنبلاط طلال أرسلان، وأُشيع أن البحث كان في الملف الحكومي، لكن الأمر لم يكن كذلك. المشهد الثالث زيارة جنبلاط بيت الوسط ولقائه الحريري، والرابع والأخير اليوم في قصر بعبدا، وتجديد جنبلاط دعوته إلى التسوية.

ما قلته أرقام وعبر
يمكن لوليد جنبلاط إيجاد الكثير من الذرائع لتبرير موقفه، ولإيجاد الصيغة الملائمة للقول إنه لا يتنازل، وإنه منسجم مع ثوابته. يمكنه أيضاً أن يلعب لعبة إطلاق الموقف والتراجع عنه في ما بعد، أو البقاء في مساحة مريحة. وهذا ما فعله في قوله من بعبدا إنه مع حكومة من عشرين وتوسيع صيغة الـ 18. وعندما سئل عن الأمر أجاب: “الأمر تفصيل، الأعداد أصبحت تافهة أمام الأزمة”. وأوضح بأنه يدعم صيغة الحريري ولا صيغة غيرها.

هنا يحفظ خط الرجعة. فبحال وُسعت الحكومة، يكون أول من بادر. وإذا ظلت وثبتت على 18، يقول: “ما قلته كان للتعبير عن غضب وخوف على المصير. وما قلته قد قلته وعبر”.

ملاذ الجميع
ولأنه كذلك، يمثّل جنبلاط ملاذاً للجميع في لحظة الحرج. هو أحد اركان التركيبة واللعبة. وأشد المتمسكين بالصيغة، والساعين لحمايتها. خطوطه لا تنقطع. ومهما بلغت الخلافات، يلوذ به الجميع.

أما قصة لقاء السبت، فهي التالية: يوم الخميس الفائت زار النائب فريد البستاني جنبلاط في كليمنصو، فأبلغه سلاماً من رئيس الجمهورية. وأن الرئيس يود لقاءه ويوجه إليه دعوة ليزور قصر بعبدا. وقال جنبلاط إنه مستعد. رُتب الموعد. وذهب الرجل إلى بعبدا وخرج من اللقاء وقال إنه مع التسوية. وهذا موقف أطلقه مراراً قبل أيام. وهو خلاصة لقاءات عقدها مع سفراء ومسؤولين. وتجمع لديه أن البلاد مقبلة على انفجار كبير، ولا أحد مهتما بلبنان.

غضب الحريري
كرر جنبلاط موقفه عن ضرورة تشكيل الحكومة، وحتى عندما قال إن موقفه هو التسوية، أرفقه بعبارة إن البعض سينزعج من هذه الكلمة. هو يقصد سعد الحريري. ويعلم إن رئيس المستقبل سينزعج كثيراً. لا سيما أنه عندما سئل ما إذا كان يدعو للقاء الحريري مع باسيل وتفاهمهما، ألمح بالإيجاب، ورمى القصة على اقتراح المستشار الفرنسي باتريك دوريل.

لا تخلو علاقة الحريري وجنبلاط من التوتر أو الخلافات والاختلاف وانعدام الثقة. عندما زاره مؤخراً أراد سؤاله عما يجري، وما يفكر أن يفعل. قال الحريري إنه ثابت على موقفه ولن يتراجع ولا أحد يدعم عون. سأله جنبلاط عن مسائل أخرى: ما يمكن أن يحصل، وإمكان عقد تسوية، أو استمرار الخلاف، وانعكاس ذلك على الوضع الاقتصادي والانهيار المالي والبلد. حاول الحريري طمأنة جنبلاط، وقال له: “أنا أعرف ماذا أفعل وبماذا أفكر، وعلى أي وسادة أنام”.

تهديد نصرالله
استاء جنبلاط من جواب الحريري، وذهب الحريري إلى بعبدا، وأكد ثباته على موقفه، وسط مؤشرات سلبية جداً إزاء موعد يوم الإثنين، ولا يبدو أن هناك بوادر للتوصل إلى اتفاق.

وجاء موقف أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله. فحذر من أن جهات تسعى إلى افتعال حرب أهلية واقتتال داخلي، وأكد على منع قطع الطرق، وإلا فالحزب يتدخل لفتحها. وبدت الرسالة سوداوية.

وقبل مدة حصل تواصل بين حزب الله وحركة أمل والاشتراكي حول قطع الطرق في اتجاه الجنوب والبقاع. وحصلت حادثتان امنيتان في الجبل: الأولى في كفرحيم، والثانية في خلدة. لا بد من تلقف الأمر ومنعه من التفاقم، وفق مبدأ جنبلاط وتخوفه.

لقاء فك العزلة
أراد عون من دعوته جنبلاط أن يفك عزلته، كما فعل عندما أرسل موفداً إلى السفير السعودي. استجاب رئيس الاشتراكي، في خطوة لاقت استغراب كثيرين. وستلقى الكثير من الانتقادات. وستنجم عنها اتهامات كثيرة، تضع جنبلاط في خانة المتراجع، والذي سلّف عون موقفاً، وذهب إليه في عزّ عزلته، وفي توقيت مفصلي: لحظة تفاوضه الدقيق مع الحريري.

وجنبلاط أكثر من يعلم أن عون ليس رجل التسويات. وهو ما أن ينال ما يريد، حتى ينقضّ. وتجارب على هذا المنوال، كثيرة مع جنبلاط والحريري، وفي تسويته الكبرى مع بري.

وفي لقائه الأخير بجنبلاط، قال عون إنه حريص على الاستقرار ولا بد من تشكيل الحكومة، وأبدى عتباً على الحريري الذي كان متعاوناً في السابق لكنه عاد وتشدد. وعبر عون عن رفضه عن كيفية تعاطي الحريري معه في اختيار الوزراء. تجنب جنبلاط الدخول في التفاصيل، لكنه أكد على وجوب التفاهم بشكل لا يكسر أي طرف.

الأيام والتطورات ستكشف ما إذا ما كنت التسوية ممكنة، وهناك ما يحاك حولها بصمت، أم أن الانفجار أقرب. والخوف من الخطر المقبل يفترض خطوات التواصل مع الجميع، وإبقاء الجسور مفتوحة، وصولاً إلى التضحية بأي مطلب درزي. وهذا يعني أنه لم يعد واقفاً عند عقبة توزير درزي ثان لارسلان.