كيف ستترجم باريس التهديد بتغيير النهج… ومَن تُطاول العقوبات؟

بعد مرور أكثر من سبعة أشهر على إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل #ماكرون المبادرة الفرنسية من أجل إنقاذ لبنان، وفيما الوضع السياسي والاقتصادي والمالي والاجتماعي في لبنان ينهار، في ظل مخاوف متزايدة على انفلات الوضع الامني، هددت الديبلوماسية الفرنسية الطبقة السياسية بعقوبات يتم التنسيق والتعاون لوضعها بين فرنسا وسائر دول المجموعة الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية في حال استمرار بعض السياسيين في وضع العراقيل التي تمنع تشكيل “حكومة مهمة” من الاختصاصيين وعدم تنفيذ ورقة الطريق التي وضعتها باريس للخروج من الأزمة. ويشكل ذلك دليلاً على أن ماكرون ما زال عازماً رغم التعطيل، على العمل من أجل لبنان وتعلقه بشعبه وبسيادة واستقلال البلد.

وكان الرئيس إيمانويل ماكرون أكثر وضوحاً، بعد ظهر الخميس الماضي، خلال مؤتمره الصحافي مع الرئيس الإسرائيلي رؤوفين روفين، إذ أوضح عن اقتناعه بـ”أن زمن المسؤوليات، وبأي حال زمن اختبار المسؤوليات انتهى”. وهذا معناه أن فترة السماح انتهت واقترب وقت انتهاء اختبار المسؤوليات، وأن باريس لم تعد تؤمن بمسؤولية الطبقة السياسية اللبنانية التي فقدت كل رصيدها أمام الرئيس الفرنسي.




وأكد الرئيس الفرنسي أنه سيباشر تغيير تعامله مع الطبقة السياسية اللبنانية خلال الأيام المقبلة، فأعلن: “خلال الأسابيع المقبلة وبطريقة واضحة ودون أدنى شك نحتاج إلى تغيير النهج والأسلوب لأنه لا يمكننا أن نترك الشعب اللبناني يتخبط منذ شهر آب الماضي في الوضع الحالي”، في إشارة واضحة منه إلى أن باريس لم تعد تتحمل التعطيل التي تمارسه الطبقة السياسية، وأن اللعبة التي يمارسها البعض أصبحت مكشوفة، فالسياسيون سيئون ولا يقومون بواجبهم لمجابهة الانهيار وإنقاذ البلد رغم التزامهم أمام ماكرون بالقيام بما يلزم لـ”تجنب انهيار البلد”، كما قال ماكرون الذي يشدد على “تشكيل حكومة في أسرع وقت ممكن لتنفيذ الاصلاحات المرجوة”. وتحديد الرئيس أسابيع لتغيير النهج والأسلوب يعود إلى أن باريس لم تستكمل اتصالاتها مع واشنطن بشأن الملف اللبناني كما وأن ماكرون ينتظر جولته على دول خليجية لتحديد موقف نهائي من الأزمة.

والملفت أن الإعلان عن إمكانية فرض عقوبات على الطبقة السياسية صدر عن مصدر ديبلوماسي فرنسي قبل إعلان الرئيس موقفه، وهو يشكل بحد ذاته تصعيداً في الموقف الفرنسي. فالرسالة التي وجهت بواسطة الخارجية تشكل الإنذار الأخير من باريس التي تحاول التاثير اليوم على مجريات الأحداث في لبنان بشكل مختلف إذ أكد المصدر عن تعاون فرنسي مع المجموعة الاوروبية والولايات المتحدة التي تتعاون مع فرنسا في ملفات إقليمية عديدة، وروسيا التي أعربت خلال الأيام الأخيرة عن موقفها الواضح من تشكيل الحكومة، كما والأمم المتحدة التي دعت إلى تشكيل حكومة مهمة كاملة الصلاحيات لتطبيق الاصلاحات الضرورية لوضع لبنان على طريق التعافي واستعادة ثقة شعبه والمجتمع الدولي. فالملف اللبناني أضحى ملفاً إقليمياً بامتياز مع تعطيل داخلي.

فتلويح المصدر الديبلوماسي بعصا العقوبات التي كان رفض تطبيقها الرئيس ماكرون إبان زيارته الاولى للبنان في شهر آب الماضي عادت إلى الساحة لتحذر الأطراف اللبنانيين من عقوبات قد تفرضها فرنسا والمجموعة الاوروبية والولايات المتحدة على بعض السياسيين اللبنانيين وعلى رأسهم بالطبع رئيس التيار الوطني الحر الوزير السابق جبران #باسيل، المتهم الاول بالتعطيل. ولكنه لن يكون المعطل الوحيد إذ إن باريس تعتبر أن “#حزب الله” يقوم بالتعطيل وكلام السيد حسن نصرالله مساء الخميس يؤكد أن الحزب يهادن الحريري صورياً ولن يقبل بحكومة لا تلبي مصالحه، وهو يتلطى وراء رئيس الجمهورية الذي يطالب بالحصول على الثلث المعطل. بالإضافة إلى أطراف آخرين ليسوا من الصف الاول. وتشير هذه المصادر إلى أن العقوبات قد تكون شديدة نظراً للتعاون بين أطراف دولية عديدة لتطبيقها.

فبعد فشل باريس في إقناع الطبقة السياسية اللبنانية بتنفيذ مبادرتها الإنقاذية وورقة الطريق التي وضعتها وأول بنودها تشكيل حكومة “مهمة” من الاختصاصيين والقيام بالإصلاحات وإعادة الإعمار بعد أن تبناها الزعماء الثمانية الذين جمعهم ماكرون في قصر الصنوبر، فإن بعضهم انقلب عليها بعد مغادرة الرئيس الفرنسي الاراضي اللبنانية، وأضحت تراوح مكانها منذ شهر آب الماضي، ولم تفلح لا التحذيرات ولا الحوافز إلى السير بها بسبب الشروط والشروط المضادة التي وضعها الأطراف وربط التعطيل بأسباب خارجية أو إقليمية أبرزها انتخاب الرئيس الاميركي أو الاتفاق النووي وتطوراته والانتخابات الإيرانية المقبلة.

فالرئيس ماكرون الذي سلّف السياسيين اللبنانيين كثيراً من الوقت والجهد، ونظراً إلى المعطيات الجديدة والتعاون بين باريس وواشنطن، يرى أنه حان وقت تغيير المسار، وحان “وقت فرض عقوبات على المسؤولين اللبنانيين الذين يعطلون تشكيل الحكومة والقيام بالإصلاحات الضرورية”. لذلك قرر تغيير النهج في التعامل مع الطبقة السياسية.

ولكن، هل سيبقي كلام المصدر تهديداً لا قيمة له لأن باريس كانت وما تزال تعترف بأن العقوبات غير مجدية ونتائجها عكسية؟ وهل بإمكان باريس فرض عقوبات على “حزب الله” وإقفال الخط المفتوح معه؟ وهل يمكن أن تفصل الملف النووي الإيراني ومستجداته عن الملف اللبناني والعلاقة مع الحزب؟

الأيام أو الأسابيع المقبلة، كما أعلن ماكرون، ستوضح المسار الذي سيسلكه الرئيس الفرنسي مع الطبقة السياسية اللبنانية، وسيتبلور أكثر وأكثر التعاون الفرنسي الأميركي، والفرنسي الروسي في الملف اللبناني.


المصدر: النهار