“الناس يموتون ولا أحد يهتم”.. الانهيار الاقتصادي يعصف بحياة اللبنانيين

متاجر تغلق، وشركات تفلس، وصيدليات نفدت الأدوية من أرففها، ثم في لبنان هذه الأيام، تندلع اشتباكات بالأيدي في المحلات التجارية حيث يتدافع المتسوقون للحصول على الحليب المجفف المدعوم والأرز وزيت الطهي.

مثل كل اللبنانيين تقريبًا، انقلبت حياة نسرين طه رأسًا على عقب خلال العام الماضي تحت وطأة الأزمة الاقتصادية الطاحنة في البلاد. القلق من المستقبل يعصف بها.




قبل خمسة أشهر، تم تسريحها من وظيفتها في شركة العقارات حيث عملت لسنوات. ولم تتمكن ابنتها البالغة من العمر 21 عامًا من العثور على عمل، مما يضطر الأسرة للاعتماد فقط على راتب الزوج الشهري، الذي فقد 90 بالمئة من قيمته بسبب انهيار العملة الوطنية.

لم تتمكن الأسرة من دفع الإيجار لمدة سبعة أشهر، وتخشى طه ألا يدوم صبر المالك إلى الأبد. مع ارتفاع أسعار اللحوم والدجاج إلى ما هو أبعد من إمكانياتهم، قاموا بتغيير نظامهم الغذائي. قالت: “كل شيء باهظ الثمن”.

عائلة طه هي من بين مئات الآلاف من اللبنانيين ذوي الدخل المنخفض والطبقة الوسطى، الذين سقطوا في فقر مفاجئ بسبب الأزمة التي بدأت في أواخر عام 2019 – في ذروة عقود من فسادِ طبقة سياسية جشعة نهبت كل قطاع من قطاعات الاقتصاد تقريبًا.

مزيد من الانهيار

فقدت الليرة اللبنانية أكثر من 25 بالمئة من قيمتها خلال الأسابيع الماضية وحدها. وارتفع معدل التضخم وأسعار السلع الأساسية في بلد يستورد أكثر من 80 بالمئة من سلعه الأساسية. وتراجعت القوة الشرائية للرواتب بشكل كبير وتبخرت المدخرات – كل ذلك على مع تفشي جائحة فيروس كورونا، والانفجار الهائل في أغسطس في ميناء بيروت الذي دمر أجزاء من العاصمة.

يعيش أكثر من نصف السكان الآن في فقر، وفقًا للبنك الدولي، بينما تنذر أزمة سياسية مستعصية بمزيد من الانهيار.
وقالت علياء مبيض، العضو المنتدب في جيفريز، وهي شركة خدمات مالية متنوعة، إن “الانكماش الحاد في النمو، إلى جانب التضخم المفرط وانخفاض قيمة العملة” دفع المزيد من الناس إلى وظائف غير مستقرة، ورفع مستويات البطالة، ودفع بأكثر من 50 بالمئة من السكان إلى ما دون خط الفقر، مقارنة بحوالي الثلث بتقديرات عام 2018.

مازالت لبنان بلا حكومة منذ استقالة آخر حكومة في أغسطس، مع عدم رغبة كبار السياسيين في التوصل لتفاهم بشأن تشكيل حكومة جديدة يمكن أن تشق طريقًا نحو الإصلاحات والتعافي. والعنف في الشوارع والتوترات الطائفية في تصاعد.

وقالت طه، وهي تزور ابن عمها صاحب محل للعطور في شارع الحمرا التجاري في بيروت: “الناس يموتون، ولا أحد يهتم!”. كلاهما ارتدى كمامات لمنع انتشار فيروس كورونا خلال الزيارة.
شارع الحمرا، الذي كان منطقة تسوق شهيرة، ومعروفًا بمتاجره ومقاهيه ومسارحه الصاخبة، تغير وسط هذا الوباء. في زيارة للشارع مؤخرا، كان العديد من المتاجر مغلقه، بعضها بسبب إجراءات الإغلاق، والبعض الآخر مغلق بشكل دائم بسبب الأزمة الاقتصادية. ويشتكي التجار في المحلات التي مازالت مفتوحة من أنهم لا يبيعون شيئًا تقريبًا.

يستعطف المتسولون المارة للحصول على المال. تجلس امرأة وطفلها على الرصيف بجوار رسم على الحائط كتب عليه: “كلنا متسولون”.

الوضع لا يطاق

قال إبراهيم سمو، 59 عاماً، الذي يدير متجراً للملابس: “لا يمكن أن تزداد الأمور سوءاً”. انخفضت المبيعات بنسبة 90 بالمئة مقارنة بالسنوات السابقة. لم يستطع بيع مخزونه الشتوي خلال فترة الإغلاق ضد الفيروس التي استمرت شهرين تقريبًا في وقت سابق من العام، والآن أدى انهيار العملة إلى تفاقم الأمور.

وأكد إبراهيم فرشوخ، 28 سنة، أنه بالكاد يدفع إيجار متجره حيث يبيع الأساور والحقائب الجلدية المصنوعة يدويًا. أحيانًا تظل زوجته في المتجر بينما يخرج هو إلى الشوارع، محاولًا بيع الأساور للمارّة. وأضاف “الوضع لا يطاق”.

يحصل الغالبية العظمى من السكان على رواتبهم بالليرة اللبنانية، مما يعني أن دخولهم تنخفض أكثر بينما ترتفع الأسعار، وتتبخر المعاشات التقاعدية. كما أدت الأزمة إلى استنزاف الاحتياطيات الأجنبية، ما أدى إلى تحذيرات شديدة من أن البنك المركزي لم يعد بإمكانه تمويل دعم بعض السلع الأساسية، بما في ذلك الوقود.

تُظهر مقاطع مصورة على وسائل التواصل الاجتماعي اشتباكات بالأيدي في المحلات حيث يحاول المتسوقون الوصول إلى المنتجات المدعومة مثل زيت الطهي أو الحليب المجفف. وفي أحد مقاطع الفيديو، قام مسلحون من إحدى وكالات المخابرات اللبنانية بفحص بطاقات الهوية داخل محل قبل تسليم المتسوقين كيس أرز مدعوم.

الأشخاص الذين عاشوا في يوم من الأيام بشكل مريح غير قادرين الآن على دفع الرسوم المدرسية، وأقساط التأمين، أو حتى تناول الطعام بشكل جيد.

 

أزمة خطيرة

قالت طه، التي يعمل زوجها موظفا في صيانة المطار: “لا أتذكر آخر مرة تناولنا فيها اللحوم. لا أستطيع تحمل تكلفتها”. وتابعت إن نظام الأسرة الغذائي الآن يتكون بشكل أساسي من العدس والأرز والبرغل.

أجبر انهيار العملة بعض محلات البقالة والصيدليات وغيرها من الشركات على الإغلاق مؤقتًا، حيث حذر المسؤولون من تزايد انعدام الأمن الغذائي.

وقال رئيس نقابة أصحاب السوبرماركت نبيل فهد، لمحطة “إم تي في” المحلية، إن الناس يخزنون البضائع، والتي لم يعد بإمكان المتاجر إعادة توفيرها، بمجرد بيع شيء ما، ويتعين على أصحاب المتاجر دفع المزيد من الأموال بالليرة اللبنانية مقابل الإمدادات الجديدة. وتابع “نحن في أزمة خطيرة جدا جدا”.

تم رفع سعر الخبز، العنصر الرئيسي في البلاد، مرتين خلال العام الماضي، وبعد ذلك، في وقت سابق من هذا الشهر، خفّض الخبازون وزن عبوة الخبز، دون تغيير السعر.

تلقي طه باللوم على الطبقة السياسية الفاسدة في لبنان في دفع الدولة الصغيرة إلى حافة الإفلاس.

استقال عاصم شعيب من وظيفته في إحدى الصحف الرائدة في بيروت عام 2000 وانتقل مع عائلته إلى فرنسا حيث افتتح مطعمًا لبنانيًا بالقرب من باريس. وقال الرجل البالغ من العمر 59 عامًا، وهو يسير في شارع الحمرا في زيارة مؤخرا، إنه اتخذ القرار الصحيح. وقال: “كان واضحا أن البلاد تتجه نحو الانهيار”.

AP