عون الساعي إلى إخراج الحريري أحرج نفسه وعقدته الثلث المعطّل

سابين عويس – النهار

لو توقف رئيس الجمهورية ميشال #عون في كلمته إلى اللبنانيين، أول من أمس، عند حدود دعوة رئيس الحكومة المكلف سعد #الحريري إلى قصر بعبدا لاستكمال البحث في ملف تشكيل الحكومة، لكان في الدعوة مبادرة يصح توصيفها بحرص رئاسي على تحريك جمود التأليف والإصغاء إلى أنين الناس وغضبهم.




ولو بادر الرئيس إلى كشف العلل في المسودة الحكومية المقدَّمة من الرئيس المكلف قبل خمسة أشهر، مبيناً مكان النقص في ميثاقيتها ومقتضيات التوازن والاختصاص فيها، كان رفع عن نفسه تهمة التعطيل وصارح الناس بالحقيقة، وكشف لهم المعطلين الحقيقيين.

ولكن الرئيس رفض أن يتوقف ويلجم نفسه عن المجاهرة بحقيقة ما يضمر، فذهب بعيداً في التعبير عما يريده، بما يجعل خط العودة محفوفاً بانكسار تام للثقة بين رأس البلاد ورأس السلطة التنفيذية فيها لما تبقى من العهد الرئاسي، بعدما بلغ الأمر برئيس البلاد حد مخاطبة الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة عبر الإعلام بأسلوب يحمل في طياته إذلالاً لموقع الرئاسة الثالثة وفي أسلوب التخاطب بين السلطات، كما قال أكثر من قيادي في الطائفة السنية عموماً وفي تيار “المستقبل” على وجه الخصوص.
الرئيس عون بموقفه دفع بنفسه إلى المأزق بدلاً من المخرج بعدما خرج عن أحكام الدستور بدعوته عبر الإعلام الرئيس المكلف إلى التنازل عن تكليف المجلس النيابي له والانسحاب، وإفساح الفرصة أمام من هو قادر على التأليف، وهو يدرك تماماً أحكام الدستور في هذا المجال وعدم وجود مهلة أمام الرئيس المكلف للتأليف. صحيح أن مهلة خمسة أشهر في الظروف الكارثية الراهنة طويلة وثقيلة ومكلفة على البلاد من دون سلطة تنفيذية، ولكن هذه الكلفة ليست في الجزء الأكبر منها إلا نتيجة بقاء البلاد من دون رأس على مدى عامين ونصف العام في انتظار وصول عون إلى بعبدا.
هل المشكلة التي عطّلت تأليف الحكومة تكمن في شخص الحريري ورفض عون ومن معه التسليم برئاسته لحكومة آخر العهد والانتخابات (وهي المعايير التي تهمّ الطبقة الحاكمة وليس الإنقاذ ووقف الانهيار)، أو هي في “مقتضيات التوازن والميثاقية والاختصاص” التي يتذرّع بها عون لرفض التشكيلة الحريرية؟

في الشكل، لم يعط الانطباع الذي خرج به الحريري إلى الإعلام بعد اللقاء السابع عشر الذي لبى فيه دعوة عون إلى بعبدا أن إطلالة رئيس الجمهورية فتحت ثغرة في الملف الحكومي. فالحريري لم يحمل أفكاراً جديدة أو حتى تشكيلة جديدة، بل ظل ثابتاً على معاييره وعلى شروط التأليف، ورفضه الثلث المعطل لفريق رئيس الجمهورية او أي فريق آخر. والأهم في ما صرّح به من القصر أنه، وإن أبدى انفتاحه على النقاش من ضمن المعايير التي حددها، فهو رفض الشق الثاني من دعوة عون، فلم يتراجع ولم يعتذر، بل حدد موعداً جديداً للزيارة الثامنة عشرة، الإثنين المقبل.

الموعد الجديد يفتح الباب أمام تفعيل محركات الوساطات ولا سيما وساطة المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابرهيم الذي بذل مساعيه لعقد الاجتماع السابع عشر، وتبين نتائج الضغوط الخارجية، ولا سيما الروسية والفرنسية منها، وجديدها قد تبلغه وفد “حزب الله” الذي زار موسكو أخيراً، وفيها تمسك بحكومة برئاسة الحريري وتلبي المبادرة الفرنسية!

حتى ساعات المساء الاولى، وقبل أن يطل الامين العام للحزب، لم يعط اللقاء في بعبدا في المضمون أي جديد يشي بإمكان الوصول إلى تفاهم. فعقدة الثلث المعطل لعون لا تزال مستحكمة، ولم تسقط رغم كل المواقف الخارجية، حتى الروسية والإيرانية الرافضة لإعطاء فريق واحد القدرة على تعطيل الحكومة.

إطلالة عون التي جاءت غداة دعوة النائب جبران باسيل له لأن يبادر، استبقت إطلالة الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله. وفي رأي مصادر متابعة، أراد رئيس الجمهورية بذلك إبقاء سقف شروطه عالياً، ربما في محاولة أخيرة لإحراج الحليف الشيعي الأقوى، علماً أن هذا الحليف كان سبق وأبلغ باسيل رفضه الثلث المعطل.

عليه، لا تزال حظوظ التفاهم على تشكيلة حكومية ضئيلة جداً انطلاقاً من لقاء الساعة في بعبدا والنتائج غير مشجعة، ما لم تنجح الضغوط في دفع عون والتيار إلى التسليم والتخلي عن الثلث المعطل، خصوصاً وأن الحريري ليس في وارد التنازل، ويتكئ في موقفه على دعم عربي ودولي كان آخره تسميته على رأس الحكومة في بيان الخارجية الروسية بعد لقاء وفد “حزب الله”. وليس تأجيل الموعد المقبل للقاء إلى الاثنين رغم خطورة الاوضاع ودقتها، إلا ترجمة عملية إلى فشله وإفساح المجال أمام الوسطاء للتدخل وتذليل العقدة الكامنة في الثلث البرتقالي.