جائحة الجوع في لبنان.. باقية وتتمدد

تعطي أحدث المؤشرات حول الأزمة الاقتصادية في لبنان لمحة كافية عن الحالة الكارثية للسكان، بعد تجاوز الفقر مستوى الخطوط الحمراء في ظل انتشار فايروس كورونا بالبلاد والجمود السياسي المستمر، في الوقت الذي أكد فيه الخبراء أن التحذيرات من تفاقم هذه المشكلة لا تكفي دون تدخل دولي عاجل.

ومظاهر الجوع باتت تتهدد الآلاف من الأسر اللبنانية، فيما اعتبرها المراقبون أنها أشد أزمة في تاريخ البلاد منذ الحرب الأهلية لعام 1975، حيث تشهد البلاد أسوأ انهيار اقتصادي منذ عقود، يتزامن مع شحّ الدولار وتوقف المصارف عن تزويد المودعين بأموالهم بالدولار. وتسبّبت الأزمة في ارتفاع معدل التضخم وجعلت قرابة نصف السكان تحت خط الفقر.




واختزل محمد الحاج علي من مركز كارنيغي للشرق الأوسط ما يحصل هذه الفترة بعد إغلاق المتاجر والصيدليات أبوابها بالتزامن مع ارتفاع أسعار الوقود، قائلا “نحن ننظر حقا إلى الهاوية، ونراها بوضوح شديد”. وأشار إلى الإخفاق المستمر منذ وقت طويل في تشكيل حكومة جديدة قادرة على الاستمرار وإطلاق إصلاحات.

وتشير تأكيدات معظم المواطنين اللبنانيين بشأن الوضع الراهن الذي أصبح سيئا للغاية وكل الوسائل المعيشية باتت صعبة، حيث لا حكومة تكترث بما يحدث، ولا أي أحد لديه سلطة يعلم كيف هي معاناة الشعب، ذلك أن البلد البالغ تعداد سكانه 7 ملايين نسمة مقدم على مجاعة لا مفر منها، وربما تمتد إلى بقية دول الشرق الأوسط، مما قد يجعل المنطقة على فوهة بركان.

الجوع يتمدد

نتيجة لسوء إدارة المسؤولين للأزمة، خسر الآلاف من اللبنانيين مصدر رزقهم أو جزءا من مداخيلهم جراء الأزمة التي دفعتهم إلى النزول إلى الشارع منذ منتصف أكتوبر 2019، ناقمين على الطبقة السياسية، التي يتهمونها بالفساد والعجز عن إيجاد حلول للأزمات المتلاحقة.

وجعلت الأزمة الاقتصادية، التي تفاقمت العام الماضي، على نحو كبير قرابة نصف اللبنانيين يعيشون تحت خط الفقر، في ظل توقّعات خبراء اقتصاد باضمحلال الطبقة الوسطى في بلد كان حتى وقت قريب يُعرف باسم “سويسرا الشرق”، ويشتهر بمرافقه وخدماته ومبادرات شعبه الخلاقة.

وأجبر انهيار الليرة العديد من متاجر البقالة على إغلاق أبوابها في شتى أنحاء البلاد أو أوقفت خدمات التوصيل عبر الإنترنت أو وضعت حدودا لطلبات الزبائن، مؤقتا خلال اليومين الماضيين، لتتفاقم المخاوف من أن يكون البلد شديد الاعتماد على الواردات بصدد عجز وشيك في المواد الغذائية.

ومع ذلك، ظلت بعض المتاجر مفتوحة، لكن أصحابها بدوا غير متأكدين إلى متى. ونسبت وكالة رويترز إلى صاحب محل بقالة في بيروت لم يغلق أبوابه يدعى محيي الدين فايد قوله “هناك احتمال كبير أن نغلق إذا ظللنا على هذا الوضع. لا أعلم من أين سنحصل على التموين، ولا أحد يساعدنا”.

وهوى سعر صرف الليرة إلى 15 ألفا للدولار في وقت سابق هذا الأسبوع، لتفقد ثلث قيمتها في آخر أسبوعين، وهي الآن متراجعة بنسبة 90 في المئة منذ أواخر 2019. وعلق هاني بحصلي رئيس نقابة مستوردي المواد الغذائية على ذلك بالقول “إذا استمر هذا الوضع، ستبدأ السلع في الاختفاء، وسيحدد التجار أولويات ما يحصلون عليه.. سيتعين علينا تقليل الشراء من حيث الأنواع والكميات لأننا لا نجد المال”.

ومنذ أيام، يتداول مستخدمو شبكات التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة لمشاجرات في متاجر، مثل عراك بين رجل وامرأة يسعيان لشراء مسحوق الحليب. وارتفعت أسعار الكثير من السلع الاستهلاكية مثل الحفاضات والحبوب لثلاثة أمثالها تقريبا خلال الأزمة.

ويؤكد نبيل فهد رئيس نقابة أصحاب السوبرماركت أن بعض المتاجر التي أوصدت الثلاثاء أعيد فتحها بعد إعادة تموينها. لكنه أضاف أن الإغلاقات قد تدوم في حالة عدم استقرار سعر الصرف وأن “ما نخشاه هو أن تتحول في النهاية من إغلاق مؤقت.. ليصبح نهائيا لأن الوضع شديد الصعوبة. رؤوس أموالهم تتآكل وينقصهم المال لدفع ثمن البضائع”.

وفي مؤشر آخر على الصعوبات التي تعترض الناس، أضربت عدة صيدليات في أنحاء لبنان عن العمل الخميس، وحددت محطات البنزين حصصا لتوزيع الوقود الشحيح مع تنامي الغضب الشعبي إزاء الانهيار الاقتصادي المتسارع بالبلاد، دون مؤشرات تُذكر على نهاية لمواجهة سياسية رفيعة المستوى.

وبات صمود قطاع الأدوية في لبنان على المحك، مع تزايد التهديدات الناتجة عن مخاطر تقلبات سعر صرف الدولار مقابل الليرة. وخلال الآونة الأخيرة اصطف لبنانيون أمام الصيدليّات لشراء الأدوية لتخزينها خوفا من انقطاعها، بعد أن عمدت الصيدليّات لسياسة تقنين البيع للزبائن.

وقد يواجه اللبنانيون أيضا أزمة وقود أكبر مما كانت عليه في السابق، بعد أن أعلن ممثل موزعي المحروقات في لبنان فادي أبوشقرا الأربعاء الماضي، زيادة جديدة في سعر الوقود تجاوزت الأربعة آلاف ليرة للتر الواحد خلال أسبوع. وبذلك، يكون سعر البنزين قد ارتفع نحو 49 في المئة منذ يوليو الماضي.

كما أن المخابز التي توفر الخبز في الوقت الراهن، قد لا تتمكن من الصمود والاستمرار بالعمل لأجل غير مسمى دون حل، خاصة وأن لبنان يستورد كافة احتياجاته تقريبا من القمح. ويقول نائب رئيس اتحاد الأفران والمخابز في لبنان علي إبراهيم، الذي حاول الاستقالة من منصبه قبل أسبوعين، في بيان “إذا استمررنا على هذه الوتيرة، لا بد في النهاية أن نصل إلى التوقف القسري إلى حين استقرار سعر صرف الدولار”.

عقدة التسيير

القوى السياسية وأولها حزب الله المدعوم من إيران وحليفه عون، لا تزال تؤخر الحلول غير مكترثة بما يحدث

سحب مصرف لبنان المركزي، الذي يوفر العملة الصعبة للمستوردين بسعر الربط القديم البالغ 1500 ليرة للدولار من الاحتياطيات الأجنبية الضئيلة أصلا من أجل دعم فئات السلع الأساسية، في مقدمتها القمح والوقود والأدوية، إلى جانب سلة من السلع الأساسية الأخرى، وذلك في الوقت الذي يتواصل فيه نضوب التدفقات الدولارية.

لكن الدولة، التي ينفد سريعا ما بحوزتها من سيولة، أشارت عدة مرات إلى أن الدعم سيُرفع قريبا، لكنها لم تعط حتى الآن جدولا زمنيا أو تعلن خطة لذلك.

ويتفق المراقبون على أن المشكلة الاقتصادية وما قد تنجر عنها من أزمات أعمق، هي من صنع السياسيين أنفسهم فهم في صراعات لا تنتهي. وكان آخرها الغضب، الذي أبداه الرئيس ميشال عون تجاه رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري، حيث طلب منه الأربعاء الماضي الإسراع في تشكيل حكومة جديدة أو إفساح الطريق لآخر يستطيع ذلك.

ومع ذلك، فإن الحريري لا يتحمل المسؤولية وحده، ورد على عون قائلا إنه “إذا لم يكن بمقدور عون الموافقة على التشكيلة التي قدمها للحكومة فإن على الرئيس أن يدعو إلى إجراء انتخابات رئاسية مبكرة”. وحتى مع اجتماع الرجلين الخميس لمناقشة ما يحصل، فإنه ليس من المتوقع أن تحدث انفراجة بعد تشاحن بين الفصائل دام شهورا.

وفي خضم هذا المشهد يؤكد الحاج علي أن الأحزاب السياسية الرئيسية، ومنها جماعة حزب الله المدعومة من إيران وحليفة عون، بدأت تقييم مواقفها لأن التأخير يؤدي إلى تفاقم الانهيار الاقتصادي وتنامي الاضطرابات. لكن المراقبين يعتقدون أن كل التحركات لن تأتي بجدوى ما لم تتفق كافة القوى السياسية على حل جماعي.

وأخفق الساسة اللبنانيون منذ أواخر 2019 في الاتفاق على خطة إنقاذ، تمكّن بلدهم من الحصول على تمويل خارجي يحتاجه بشدة. وقال دبلوماسي فرنسي لرويترز معلقا على الأزمة اللبنانية إن بلاده وشركاءها الدوليين “سيحاولون زيادة الضغط على الساسة اللبنانيين في الأشهر المقبلة”. وتقود فرنسا جهود مساعدة لبنان الذي كان مستعمرة فرنسية في ما مضى.

Thumbnail

ShareWhatsAppTwitter