رئيس المجلس الدستوري السابق عصام سليمان: الدولة إنهارت والقضاء صار “مشرشحاً”!

إنطلاقاً من تجربته في رئاسة المجلس الدستوري على مدى عشر سنوات وثلاثة اشهر، تحدث رئيس المجلس الدستوري السابق الدكتور عصام سليمان لـ”نداء الوطن”، بداية، أنّ “كل المسار الذي انتهجه الحكم منذ سنة 1992 الى اليوم هو مسار خارج الدستور وخارج روحية الميثاق الوطني، ومسار محكوم بتوافقات بين مصالح القابضين على السلطة باسم طوائفهم، لذلك كل الامور منذ ثلاثين سنة لغاية اليوم ذهبت في اتجاه الفساد ونهب الدولة وسرقة المال العام والفوضى في ادارة الحكم. ومجلس النواب كان عبارة عن اقلية نيابية للتشريع، أما الآخرون فلا عمل لهم الا التصويت على امور متّفق عليها. لذلك، نحن لسنا في نظام ديموقراطي برلماني كما نص الدستور، بل في نظام يحكمه 4 او 5 زعماء طوائف، لأنّ الطائفة في لبنان صارت عشيرة، وللاسف الشديد، الفساد يحتمي ببعض الطوائف”.

واعتبر سليمان أنّ “المشكلة في لبنان هي مشكلة سياسية وليست نقدية او مالية او اقتصادية، فسوء الاداء السياسي جعل الوضع الاقتصادي والمالي ينهار”.




ورأى “اننا اليوم في كارثة حقيقية، فالدولة انهارت والمشكلة أنّ المسؤولين فيها هم الذين تسبّبوا بهذا الانهيار بفِعل ممارساتهم وسياساتهم الخاطئة على مدى 30 سنة الى اليوم، والبديل الممكن عنهم غير موجود، لأنّ الثورة او الانتفاضة لم تنبثق عنها قيادة حتى الآن ولا برنامج تغيير، بل مجموعة شعارات واعمال تعبّرعن نقمة و”فشة خلق” ليس اكثر، ونحن مقبلون بعد سنة وشهرين على انتخابات نيابية عامة، وهذه القوى تطرح نفسها قوى تغيير فعلي، فهل ستتوحّد تحت قيادة جبهة سياسية للتغيير يكون لديها برنامج تخوض الانتخابات على اساسه لتستقطب الجمهور الناقم على السياسيين؟ أم سيتكرّر معها سيناريو انتخابات 2018، اي الترشّح لمجرّد الترشيح والظهور بمظهر فولكلوري لا اكثر؟ هنا تكمن المشكلة”.

وعليه، شدّد سليمان على أنّ “لا حل للازمة الا من ضمن حل شامل في المنطقة، بعدما ارتبط وضع لبنان بالصراع الدائر في الشرق الاوسط”. وقال: “إن وضع لبنان مدوّل مع طرح البطريرك الماروني ومن دونه، لعدم تمكّن الاطراف الداخلية من الاتفاق على شيء، وإن فعلت فأقصى ما يمكن ان تتوصل اليه هو ادارة الازمة للحدّ من الخسائر ما أمكن، وهذا لم يحدث حتى اليوم، أما استقرار الوضع في البلد ضمن صيغة سياسية جديدة، فهذا رهن التوافقات في المنطقة. فالفرق بين ما يطرحه البطريرك والواقع، هو أنّ الواقع مدوّل لكن الاطراف اللبنانية غائبة عن التدويل، ولا شيء في يدها وما يطرحه البطريرك هو وجود للبنان ضمن هذا التدويل ليتمكّن من أن يدافع عن الوجود اللبناني في اطار عملية التدويل القائمة فعلياً”.

عقلنة النظام الدستوري

وعن الصيغة السياسية، كشف سليمان عن دراسة أعدّها يطرح فيها عقلنة النظام الدستوري اللبناني، وقال: “نظامنا كما ورد في الدستور جاء نتيجة توافق، وتشوبه اشكاليات عدّة، وبدل أن يتصرّف الذين تولّوا ادارة الدولة كرجال دولة فعلاً ويحلّوا هذه الاشكالات بما يؤدّي الى تفعيل أداء المؤسسات الدستورية، فعلوا العكس، فاستغلّوا الاشكالات لعرقلة أدائها، لذلك طرحت عقلنة النظام الدستوري باضافة وثيقة في مقدمة الدستور تحدّد مفهوم ميثاق العيش المشترك ومفهوم المشاركة في السلطة، ومفهوم الديموقراطية الوفاقية وتعديل مواد في الدستور منها المادة 19 التي تنصّ على إنشاء المجلس الدستوري، وطرحت اناطة تفسير الدستور به وليس بمجلس النواب وتوسيع صلاحياته، لجهة أن يصبح بامكان المتقاضين امام المحاكم مراجعته عبر المحاكم”.

وعن استقلالية القضاء، لفت سليمان الى أنّ “تدخّل السياسيين في شؤون القضاء أدّى الى انتهاك استقلاليته، فالتشكيلات القضائية وللأسف الشديد تحكّمت فيها الجهات السياسية، فكل زعيم طائفي يريد وضع قضاة طائفته في المراكز التي يخدمونه فيها وصار القضاة مصنّفين باسم زعماء الطوائف ما أدّى الى انتهاك استقلالية القضاء وإضعافه و”شرشحته”. وقال: “نعم، القضاء في لبنان صار مشرشحاً”.

وإذ كرّر ان المشكلة هي في تحكّم السياسيين بالقضاء، سأل: “ما معنى ان تستعيد الليرة عافيتها ويبقى القضاء على ما هو عليه اليوم؟ لذلك طرحت تعديل المادة 20 من الدستور التي تنص على السلطة القضائية واضافة نص اليها هو انتخاب مجلس القضاء الاعلى من قبل القضاة، واناطة تعيين القضاة وترفيعهم والتشكيلات القضائية بمجلس القضاء الاعلى، أي التأكيد على استقلالية مجلس القضاء والقضاة بنص دستوري وليس بالقانون، لانهم اليوم ينتهكون القانون وحتى الدستور.

وشدد سليمان على وجوب اجراء الانتخابات النيابية المقبلة بغض النظر عما يجري، مشيراً الى انه في حال تم التمديد لمجلس النواب الحالي فإنّ المجلس الممدّد له ينتخب رئيس الجمهورية، لكن اجراء الانتخابات يجب أن يتم حسب الاصول ما بين 20 آذار 2022 و20 ايار من العام 2022 ومجلس النواب المنتخب ينتخب الرئيس قبل انتهاء ولاية الرئيس الحالي، أي قبل 30 تشرين الاول 2022 فالدستور يحدّد المهل ويجب اتباعها، ولا اعتقد انهم سيتجرأون على التمديد للمجلس الحالي، فبمجرّد التفكير بالتمديد معناه تحرّك الشارع اللبناني بشكل اكبر، وضغط دولي اكثر لإلزام المسؤولين باجراء الاستحقاق الانتخابي”.

وأخيراً عبّر سليمان عن نظرة تشاؤمية وقال: “لأنني واقعي وأنظر الى الامور من منظارها العلمي، فانني أرى أنّ الانهيار سيستمر وافضل ما يمكن حصوله هو انقاذ جزئي، أي ترتيب الوضع بارادة دولية لتشكيل حكومة موثوقة وليس مجموعة ازلام تدير الازمة ريثما تنضج الحلول في المنطقة”.


نداء الوطن