تراجع الليرة اللبنانية يثير مخاوف انهيار القطاعات الاقتصادية

تراجعت الليرة اللبنانية إلى أدنى مستوى على الإطلاق في تاريخها في تعاملات السوق الموازية غير الرسمية بحيث تخطى سعر صرف الليرة الـ15 ألف ليرة لكل دولار واحد وسط تحذيرات من انهيارات مختلف القطاعات.

جاء ذلك بحسب وسائل إعلام ومواقع لبنانية متابعة لتطورات أسعار الصرف اليوم في وقت يتراوح سعر الصرف في السوق الرسمية بين 1515 ليرة و3900 ليرة للدولار الواحد.




ويترافق مسلسل انهيار الليرة والاقتصاد مع شح كبير في توافر الدولار الأميركي في البلاد ومع استمرار التأزم السياسي والفشل في تأليف حكومة في البلاد منذ استقالة حكومة حسان دياب في أغسطس الماضي.

وقد انعكس التراجع الكارثي لسعر صرف الليرة إرباكا وفوضى في الأسواق التجارية مع تفلت أسعار المواد الاستهلاكية وفقدان السلع.

وفي بلد يستورد معظم احتياجاته من الخارج ويقوّم السلع بالدولار لتباع بالليرة اللبنانية وفق سعر الصرف، يشكل الانفلات والتقلب المستمر للدولار بنسبة عالية في وقت قصير مصدر أزمة كبرى لقطاعات عدة حيث يضعها أمام الشلل والعجز عن الاستمرار بتوفير الخدمات أو السلع.

وقد حذر نقيب أصحاب المستشفيات سليمان هارون في مؤتمر صحافي الثلاثاء من انهيار وشيك سيتعرض له القطاع الصحي في لبنان جراء عدم توافر الدولار الأميركي اللازم لاستيراد الأدوات والمعدات الطبية الضرورية وصيانتها.

وتخوّف النقيب من إمكانية التوقف عن تقديم الخدمات الطبية والاستشفائية في عدد من المستشفيات على وقع تداعيات الانهيار المالي والاقتصادي والنقدي الذي يلقي بثقله على القطاع الصحي اللبناني، بما يمثله هذا الأمر من خطورة بالغة على السلامة الصحية للبنانيين.

وأشار هارون إلى أن الأزمة السياسية التي يعيشها البلد لا تسمح بإيجاد الحلول للمشاكل الاجتماعية، داعيا إلى عملية إنقاذية عبر تشكيل الحكومة الجديدة سريعا، مشيرا إلى أنّ الأطباء والممرضين بدأوا في الهجرة إلى الخارج على وقع الانهيار المتسارع مما يمثل خطورة بالغة تتطلب إجراءات استثنائية.

من جهتها أعلنت نقابة صيادلة لبنان في بيان أن قطاع الصيدلة على شفير الانهيار والإفلاس وأن كميات الأدوية المسلمة إلى الصيادلة تتقلص ولم تعد تكفي حاجات المرضى بسبب البطء في عملية الاستيراد في حين لم تعد تلك الكميات تكفي حاجات المرضى وسط نقص حاد في مخزون الشركات المستوردة.

بدوره قال نقيب أصحاب السوبرماركت نبيل فهد في تصريح صحافي إن البضائع تتناقص وإن الارتفاع غير المنطقي لسعر صرف الدولار قد حال دون استمرار تسليم البضائع كما أدى إلى تهافت المواطنين على بعض الأصناف الأساسية، معلنا أن المخزون قليل بسبب المشكلة المالية وعدم القدرة على الشراء.

من جانبه أعلن نائب رئيس اتحاد نقابات الأفران والمخابز في لبنان علي إبراهيم في بيان أن “القطاع لابد أن يصل إلى التوقف القسري إلى حين استقرار سعر صرف الدولار في حال الاستمرار في ارتفاعه على هذه الوتيرة”.

وأشار إلى “تقلبات حادة لسعر صرف الدولار الأميركي في ظل غياب رقابة فاعلة تضبط الأمور”، محذرا من “الواقع الصعب والخطير الذي ينذر بعواقب كبيرة على مختلف الصعد لعدم وجود من يتحمل المسؤولية لمعالجة هذا الواقع”. ولفت إلى أن “الفلتان في سعر الدولار يؤثر على أسعار المواد الداخلة في صناعة الرغيف كما يؤثر على كل القطاعات الإنتاجية”.

كذلك أدى استمرار انهيار الليرة أمام الدولار إلى تفاقم أزمة نقص المحروقات في البلاد حيث رفعت محطات الوقود خراطيمها في عدد كبير من المناطق فيما شوهدت أرتال من السيارات أمام المحطات القليلة العاملة.

وأكد ممثل موزعي المحروقات في لبنان فادي أبوشقرا في تصريح وجود أزمة كبيرة في البنزين وشح في المحروقات، لافتا إلى أن الارتفاع الكبير في سعر صرف الدولار الأميركي تسبب في مشكلة قطاع المحروقات مطالبا الدولة اللبنانية بالتدخل لتوفير الوقود في السوق.

وفي الأيام السابقة كان سعر صرف الدولار أمام الليرة اللبنانية قد اخترق سقف العشرة آلاف ليرة لكنه بدأ مع نهاية الأسبوع الماضي يسجل قفزات كبيرة يوميا.

وقد أدى التدهور في سعر الليرة إلى ارتفاع اسعار السلع وإلى تحركات احتجاجية تمثلت بقطع الطرقات الرئيسية بإطارات السيارات ومستوعبات النفايات بواقع أن الحد الأدنى للأجور في لبنان البالغ 675 ألف ليرة كان يوازي 450 دولارا، أما اليوم فقد أصبح يساوي 45 دولارا ومع احتساب سعر الدولار الواحد 15 ألف ليرة.

وذكرت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية أن محتجين قطعوا طرقا في بيروت وضواحيها وفي مختلف المناطق اللبنانية، وترافق ذلك مع قيام بعض المؤسسات التجارية بإقفال أبوابها بسبب الضياع في التسعير الناجم عن تقلب سعر صرف الدولار.

وقالت الوكالة إن شبانا يستقلون دراجات نارية جالوا في عدد من شوارع بيروت وطلبوا من أصحاب المحال التجارية إقفال أبواب محالهم رفضا لارتفاع سعر صرف الدولار الأميركي.

ويواجه لبنان منذ أغسطس الماضي شغورا حكوميا بسبب خلافات القوى السياسية وأزمات اقتصادية ومالية ومعيشية وصحية متشابكة أدت إلى تفاقم الفقر والبطالة والتضخم المالي وانهيار العملة وسط تراجع متسارع في احتياطي النقد الأجنبي منذ أكتوبر 2019 مع تجميد المصارف للسحوبات النقدية بالدولار وتقييدها بالعملة المحلية.

يذكر أن وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال اللبنانية العميد محمد فهمي كان قد حذر في تصريح قبل أيام من حالة من الفوضى على كامل الأراضي اللبنانية بسبب تلاشي المنظومات الاقتصادية والمالية والاجتماعية والصحية.

وكان مجلس الوزراء العراقي قد وافق على صفقة لتصدير نصف مليون طن من الوقود إلى لبنان سنويا. وتعد الطاقة من أكبر هواجس اللبنانيين بسبب كلفة الاستيراد المرتفعة وأثرها على عجز الميزان التجاري وارتفاع أسعار السلع في السوق المحلية.

يشكل الانفلات والتقلب المستمر للدولار بنسبة عالية في وقت قصير مصدر أزمة كبرى لقطاعات

وتشير التقديرات الحكومية إلى أن احتياطيات لبنان من الوقود لا تزيد عمّا يكفي عادة لشهر أو شهرين، لأن الاحتفاظ باحتياطيات تكفي ستة أشهر سيكون باهظ التكلفة للبلد الذي يئن تحت وطأة أزمة اقتصادية عميقة.

وتواجه المنازل والشركات في لبنان انقطاعات يومية للكهرباء تستمر لعدة ساعات بسبب عجز شركة الكهرباء الحكومية عن تلبية الطلب، وهو ما يضطرّ الكثيرين إلى استخدام مولدات الكهرباء الخاصة.

وتُفاقم الخلافات السياسية وفساد الصفقات، مثل صفقة الوقود المغشوش التي وردت من شركة سوناطراك الجزائرية، التشاؤم بشأن الإسراع في حل أزمة انقطاع الكهرباء المزمنة، وسط معاناة المواطنين العالقين بين تقصير السلطات وابتزاز مافيا المولدات التي تحتكر القطاع مستغلة فشل الشركة الحكومية في إنهاء المشكلة بشكل جذري.